التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{ولا تلبسوا الحق بالباطل} عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذى تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلوا الحق ملتبسا بسبب خلط الباطل الذى تكتبونه فى خلاله او تذكرونه فى تأويله {و} لا {تكتموا الحق} باضمار لا او نصب باضمار ان على ان الواو للجمع اى لاتجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان لأنهم كانوا يقولون لا نجد فى التوارة صفة محمد صلى الله عليه وسلم فاللبس غير الكتمان {وانتم تعلمون} اى حال كونكم عالمين بانكم لابسون كاتمون او وانتم تعلمون انه حق نبى مرسل وليس ايراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم اذ الجاهل قد يعذر.
وفى التيسير يجوز صرف الخطاب الى المسلمين والى كل صنف منهم وبيانه ايها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وايها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق. فهذه الآية وان كانت خاصة ببنى اسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم فمن اخذ رشوة على تغيير حق وابطاله او امتنع من تعليم ما وجب عليه او اداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل فى مقتضى الآية قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
"من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه فى ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "لا يمنعن احدكم هيبة احد ان يقول او يقوم بالحق حيث كان" .
وفى التنزيل { يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } " [المائدة: 54] – حكى – ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فاقام بها اياما فقال هل بالمدينة احد أدرك احدا من اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قالوا له ابو حازم فارسل اليه فلما دخل عليه قال له يا ابا حازم ما هذا الجفاء قال له ابو حازم يا امير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال اتانى وجوه اهل المدينة ولم تأتنى قال يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان تقول ما لم يكن ما عرفتنى قبل هذا اليوم ولا انا رأيتك قال فالتفت الى محمد بن شهاب الزهرى فقال اصاب الشيخ واخطأت قال سليمان يا ابا حازم مالنا نكرة الموت فقال لانكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران الى الخراب قال اصبت يا ابا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال واى مكان اجده قال { إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم } [الإنفطار: 13-14] قال سليمان فاين رحمة الله يا ابا حازم قال {ان رحمة الله قريب من المحسنين} قال له سليمان يا ابا حازم فاى عباد الله اكرم قال اولوا المروة والنهى قال له سليمان فاى الاعمال افضل قال اداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فاى الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة افضل قال على السائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا اذى قال فأى القول اعدل قال قول الحق عند من تخافه او ترجوه قال فأى المؤمنين اكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأى المؤمنين احمق قال رجل انحط فى هوى اخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان اصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا امير المؤمنين اعفنى قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها الى قال يا امير المؤمنين ان آباءك قهروا الناس بالسيف واخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولارضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا ابا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله اخذ ميثاق العلماء لتبينه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا ابا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال اعوذ بالله قال ولم ذاك قال اخشى ان اركن اليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع الينا حوائجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى إليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد اوجزت واكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان اوص قال سأوصيك واوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث امرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن انفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان يكون سؤالك ايى هزلا اوردى عليك بذلا ما ارضاها لك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عيله رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما انزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى ابيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال ابوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبى فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجد بدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تسفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وارينى بقولك فلما دخل على شعيب اذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى اعوذ بالله فقال شعيب لم أما انت جائع قال بلى ولكنى اخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الارض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائى نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ونصحت فالميتة والدم ولحم الخنزير فى حال الاضطرار احل من هذه وان كانت لحق لى فى بيت المال فلى فيها نظراء فان ساويت بيننا والا فليس لى فيها حاجة. قال القرطبى فى تفسيره بعد ايراد هذه الحكاية قلت هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والانبياء انتهى.
وقد اختلف العلماء فى اخذ الاجر على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية {ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا} والفتوى فى هذا الزمان على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه وغيره لئلا يضيع قال صلى الله عليه وسلم "ان احق ما اخذتم عيله اجرا كتاب الله" والآية فى حق من تعين عليه التعليم فابى حتى يأخذ عليه اجرا فاما اذا لم يتعين فيجوز له اخذ الاجرة بدليل السنة فى ذلك كما اذا كان الغسال فى موضع لا يوجد من يغسل الميت غيره كما فى القرى والنواحى فلا اجر له لتعينه لذلك واما اذا كان ثمة ناس غيره كما فى الامصار والمدن فله الاجر حيث لم يتعين عليه فلا يأثم بالترك وقد يتعين عليه الا انه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله ان يقبل على صنعته وحرفته. ويجب على الامام ان يعين له شيأ والا فعلى المسلمين لان الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به اهله فاخذ ثيابا وخرج الى السوق فقيل له فى ذلك فقال ومن اين انفق على عيالى فردوه وفرضوا له كفايته وكذا يجوز للامام والمؤذن وامثالهما اخذ الاجرة وبيع المصحف ليس بيع القرآن بل هو بيع الورق وعمل ايدى الكاتب.
وقالوا فى زماننا تغير الجواب فى بعض مسائل لتغير الزمان وخوف اندراس العلم والدين منها ملازمة العلماء ابواب السلاطين ومنها خروجهم الى القرى لطلب المعيشة ومنها اخذ الاجرة لتعليم القرآن والاذان والامامة ومنها العزل عن الحرة بغير اذنها ومنها اسلام على شربة الخمور ونحوها فافتى بالجواز فيها خشية الوقوع فيما هو اشد منها واضر كذلا فى نصاب الاحساب وغيره: قال فى المثنوى

عاشقانرا شادمانى وغم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست
غير معشوق ازتماشايى بود عشق نبود هرزه سودايى بود
عشق آن شعله است كوجون برفروخت هر كه جز معشوق باقى جمله سوخت