التفاسير

< >
عرض

فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ
١٦
-طه

روح البيان في تفسير القرآن

{ فلا يصدنّك عنها } اى لا يمنعنك عن ذكر الساعة ومراقبتها { من لا يؤمن بها } اى بالساعة هذا وان كان بحسب الظاهر نهيا للكافر عن صد موسى عن الساعة لكنه فى الحقيقة نهى له عن الانصداد عنها على ابلغ وجه وآكده فان النهى عن اسباب الشئ ومباديه المؤدية اليه نهى عنه بالطريق البرهانى وابطال للسببية من اصلها { واتبع هواه } مراده المبنى على ميل النفس لا يعضده برهان سماوى ولا دليل عقلى.
وفى الارشاد ما تهواه نفسه من اللذات الحسيبة الفانية { فتردى } من الردى وهو الموت والهلاك اى فتهلك فان الاغفال عنها وعن تحصيل ما ينجى من احوالها مستتبع للهلاك لا محالة والمراد بهذا النهى الامر بالاستقامة فى الدين وهو خطاب له والمراد غيره.
واعلم ان هذه الآيات والآتية بعدها دلت على ان الله تعالى كلم موسى عليه السلام وانه سمع كلام الله تعالى.
فان قيل بأى شئ علم موسى انه كلام الله. قيل لم ينقطع كلامه بالنفس مع الحق كما ينقطع به مع المخلوق بل كلمه تعالى بمدد وحدانى غير منقطع وبانه مسع الكلام من الجوانب الستة وبجميع الاجزاء فصار الوجود كله سمعا وكذا المؤمن فى الآخرة وجه محض وعين محض وسمع محض ينظر من كل جهة وبكل جهة وعلى كل جهة وكذا يسمع بكل عضو من كل جهة واذا شاهد الحق يشهده بكل وجه ليس فى جهة من الجهات لا يحتجب سمعه وبصره بالجهات ويجوز ان يخلق الله تعالى علما ضروريا بذلك كما خلق لنبينا عليه السلام عند ظهور جبريل بغار حراء.
ثم اعلم ان للكلام مراتب فكلام هو عين المتكلم وكلام هو معنى قائم به كالكلام النفسى وكلام مركب من الحروف ومتعين بها وهو فى عالمى المثال والحسن بحسبهما فموسى عليه السلام قد تنزل له الكلام فى مرتبة الامر الى مرتبة الروح ثم الى مرتبة الحس ومن مشى على المراتب لم يعثر ألا ترى ان نبينا عليه السلام اذا نزل عليه الوحى كان يسمع فى بعض الاحيان مثل صلصلة الجرس فان التجلى الباطنى لا يمنع مثل هذا.
فان قلت لماذا يكلم الله موسى حتى صار كليم الله دون سائر الانبياء.
قلت لان الجزاء انما هو من جنس العمل وكان قد احترق لسانه عليه السلام عند الامتحان الفرعونى فجازاه الله بمناجاته اسماع كلامه

هر محنتى مقدمه راحتى بود شد همزبان حق جوزبان كليم سوخت

رؤى بعضهم فى النوم فقيل ما فعل الله بك فقال رضى الله عنى ورحمنى وقال لى كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب فجوزى من حيث عمل حيث لم يقل له كل يا من قطع الليل تلاوة واشرب يا من ثبت يوم الزحف.
وقيل لبعضهم وقد رؤى يمشى فى الهواء بم نلت هذه الكرامة فقال تركت هواى لهواه فسخر لى هواه فالعلم والحكمة انما هى فى معرفة المناسبات قضاء عقليا وقضاء الهيا حكميا ومن قال ان الله تعالى يفعل خلاف هذا فليس عنده معرفة بمواقع الحكم.