التفاسير

< >
عرض

فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
٤٤
-طه

روح البيان في تفسير القرآن

{فقولا له قولا لينا} اى كلماه باللين والرفق من غير خشونة ولا تعنيف ويسرا ولا تعسرا فانه ما دخل الرفق فى شئ الا وقد زانه وما دخل الخرق فى شئ الا وقد شانه وكان فى موسى حدة وصلابة وخشونته بحيث اذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا فعالج حدته وخشونته باللين ليكون حليما وهو معنى قول من قال طبع الحبيب كان على اللين والرحمة فلذا امر بالغلظة كما قال تعالى { واغلظ عليهم } تحققا بكمال الجلال وطبع الكليم على الشدة والحدة والصلابة فلذا امر بالقول اللين تحققا بكمال الجمال وقد قال عليه السلام "تخلقوا باخلاق الله" فالخطاب خطاب الامر بالتخلق جمالا وجلالا فكل واحد منهما اوفق بمقامه وايضا ان فرعون كان من الملوك الجبابرة ومن عادتهم ان يزدادوا عتوا اذا خوشنوا فى الوعظ فاللين عندهم انفع واسلم كما ان الغلظة على العامة اوفق حكمة واشد دعوة فلو كان فى قول موسى خشونة لم يحتمل طبع فرعون بل هاج غضبه فلعله يقصد موسى بضرب او قتل ففائدة اللين عائدة الى موسى.
وفى الاسئلة المقحمة انما امرهما بذلك لانه كان ابتداء حال الدعوة وفى ابتداء الحال يجب التمكين والامهال لينظر المدعو فيما يدعى اليه كما قال لنبينا عليه السلام
"وجادلهم بالتى هى احسن" قيل امهلهم لينظروا ويستدلوا فبعد ان ظهر منهم التمرد والعناد فحينئذ يتوجه العنف والتشديد ويختلف ذلك باختلاف الاحوال انتهى فكل من اللين والخشونة يمدح به طورا ويذم به طورا بحسب اختلاف الواقع وعليه يحمل نحو قوله عليه السلام "لا تكن مرا فتعقى ولا حلوا فتسترط" يقال اعقيت الشئ اذا ازلته من فيك لمرارته وساتراطه ابتلاعه ومن امثال العرب لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر وذلك لان خير الامور اوسطها ورعاية مقتضى الحال قاعدة الحكيم: قال الشيخ سعدى قدس سره

جو نرمى كنى خصم كردد دلير وكر خشم كيرى شوند ازتوسير
درشتى ونرمى بهم در بهست جورك زن كه جراح ومرهم نهست

وقيل امر الله موسى باللين مع الكافر مراعاة لحق التربية لانه كان رباه فنبه به على نهاية تعظيم حق الابوين.
وفى الاحياء سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على والده فقال يعظه ما لم يغضب فاذا غضب سكت فعلم منه انه ليس للولد الحسبة على الوالد بالتعنيف والضرب وليس كذلك التمليذ مع الاستاذ لا حرمة لعالم غير عامل. وقيل امر موسى باللين ليكون حجة على فرعون لئلا يقول اغلظ على القول فى دعوته.
وقرأ رجل عند يحيى بن معاذرحمه الله هذه الآية فبكى وقال الهى هذا رفقك بما يقول انا الاله فكيف بمن يقول أنت الاله {لعله يتذكر}[شايد او بندكير] {او يخشى}[يابترسد ازعذاب خداى] كما قال فى الارشاد لعله يتذكر بما بلغتماه من ذكرى ويرغب فيما رغبتماه فيه او يخشى عقابى وكلمة او لمنع الخلو انتهى.
وقال بعضهم الرجاء والطمع راجعان الى مال موسى وهارون والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم والخشية خوف يشوبه تعظيم واكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خص العلماء بها فى قوله
{ انما يخشى الله من عباده العلماء } اى قولا له ذلك راجيين ان يترك الاصرار على انكار الحق وتكذيبه اما بان يتذكر ويتعظ ويقبل الحق قلبا وقالبا او بان يتوهم انه حق فيخشى بذلك من ان يصر على الانكار ويبقى مترددا ومتوقفا بين الامرين وذلك خير بالنسبة الى الانكار والاصرار عليه لانه من اسباب القول ولقد تذكر فرعون وخشى حين لم ينفعاه وذلك حين الجمه الغرق { قال آمنت انه لا اله الا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وانا من المسلمين } - روى - ان موسى وعده على قبول الايمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه الا بالموت ويبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح الى حين موته فاذا مات دخل الجنة فاعجبه ذلك وكان هامان غائبا وهو لا يقطع امرا بدونه فلما قدم اخبره بما قال له موسى وقال اردت ان اقبل منه يا هامان فقال له هامان كنت ارى ان لك عقلا ورأيا انت الآن رب تريد ان تكون مربوبا فابى عن الايمان. وفائدة ارسالهما اليه مع علمه تعالى بانه لا يؤمن الزام الحجة وقطع المعذرة لان عادة الله التبليغ ثم التعذيب.
قال بعض ارباب الحقيقة الامر تكليفى وارادى والارادة كثيرا ما تكون مخالفة للامر التكليفى فالرسل والورثة فى خدمة الحق من حيث امره التكليفى وليسوا فى خدمته من حيث الامر الارادى ولو كانوا خادمين للارادة مطلقا لما ردوا على احد فى فعله القبيح بل يتركونه على ما هو عليه لانه هو المراد ولما كان لعين العاصى الثابت فى الحضرة العلمية استعداد التكليف توجه اليه الامر التكليف وليس لتلك العين استعداد الاتيان المأمور به فلا يتحقق منه المأمور به ولهذا تقع المخالفة والمعصية. فان قلت ما فائدة التكليف والامر بما يعلم عدم وقوعه. قلت فائدته تمييز من له استعداد القبول ممن ليس له استعداد ذلك لتظهر السعادة والشقاوة واهلهما انتهى: قال الحافظ

درين جمن مكنم سرزتش بخود رويى جنانكه برورشم ميدهند مى رويم

قال فى بحر العلوم ان الله قد علم كل شئ على ما هو عليه والعلم تبع للمعلوم وعلمه بان فرعون لا يؤمن باختياره لا يخرجه عن حيز الامكان ولذلك امرهما بدعوته والرفق فيها وفى قوله { لعله يتذكر او يخشى } دلالة ظاهرة على ان لقدرة العبد تأثيرا فى افعاله وفى افعال غيره وانه ليس بمجبور فيها كما زعم الاشعرى حيث قال لا تأثير لقدر العبدة فى افعاله بل هو مجبور والالم يثبت له التذكر والخشية بقول موسى.