التفاسير

< >
عرض

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً
١
-الفرقان

روح البيان في تفسير القرآن

{تبارك الذى نزل الفرقان} اى تكاثر خير الذى الخ فالمضاف محذوف من البركة وهى كثرة الخير وترتيبه على تنزيل الفرقان لما فيه من كثرة الخير دينيا ودنيويا او معناه تزايد على كل شىء وتعالى عنه فى صفاته وافعاله فان البركة تتمضمن معنى الزيادة فترتيبه عليه لدلالته على تعاليه، قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة يروى ان الصاحب ابن عباد كان يتردد فى معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم واخذ المتاع وتبارك الجبل فاستفسر عنهم وعرف ان الرقيم الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيسمح به القصاع وان تباك بمعنى صعد، وقال بعضهم البركة ثبوت الخير الآلهى فى الشىء وسمى محبس الماء بركة لدوام الماء فيها وثبوته. فمعنى تبارك دام دواما ثابتا لاانتقال له ولهذا لا يقال له يتبارك مضارعا لانه للانتقال، قال فى برهان القرآن هذه لفظة لاتستعمل الا لله و لاتستعمل الا بلفظ الماضى وخص هذه الموضع بالذكر لان ما بعده امر عظيم وهو القرآن المشتمل على معانى جميع كتب الله. والفرقان مصدر فرق بين الشيئين اى فصل وسمى به القرآن لغاية فرقه بين الحق والباطل والمؤمن والكافر {على عبده} الاخلص ونبيه الاخص وحبيبه الاعلى وصفيه الاولى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف له بالعبدية المطلقة وتفضيل بها على جميع الانبياء فانه تعالى لم يسم احد منهم بالعبد مطلقا كقوله تعالى { عبده زكريا } وتنبيه على ان الرسول لايكون الا عبدا للمرسل ردا على النصارى ولذا قدم فى التشهد عبده على رسوله {ليكون للعالمين نذيرا} غاية للتنزيل اى ليكون العبد منذرا بالقرآن للانس والجن ممن عاصره او جاء بعده ومخوفا من عذاب الله وموجبات سخطه. فالنذير بمعنى المنذر والانذار اخبار فيه تخويف كما ان التبشير اخيار فيه سرور، قال الامام الراغب العالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والاعراض وهو فى الاصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع ويختم به وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة فالعالم آلة فى الدلالة على صانعه واما جمعه فلان كل نوع قد يسمى عالما فيقال عالم الانسان وعالم الماء وعالم النار واما جمعه جمع السلامة فلكون الناس فى جملتهم والانسان اذا شارك غيره فى اللفظ غلب حكمه انتهى، قال ابن الشيخ جمع بالواو والنون لان المقصود استغراق افراد العقلاء من جنس الجن والانس فان جنس الملائكة وان كان من جملة اجناس العالم الا ان النبى عليه السلام لم يكن رسولا الى الملائكة فلم يبق من العالمين المكلفين الا الجن والانس فهو رسول اليهما جميعا انتهى اى فتكون الآية وقوله عليه السلام "ارسلت للخلق كافة" من العام المخصوص ولم يبعث نبى غيره عليه السلام الا الى قوم معين واما نوح عليه اسلام فانه وان كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامة لمن بعده واما سليمان عليه السلام فانه ما كان مبعوثا الى الجن فانه نم التسخير العام لايلزم عموم الدعوة، والآية حجة لابى حنيفة رضى الله عنه فى قوله ليس للجن ثواب اذا اطاعوه سوى النجاة من العذاب ولهم عقاب اذا عصوا حيث اكتفى بقوله {ليكون للعالمين نذيرا} ولم يذكر البشارة، قال فى الارشاد عدم التعرض للتبشير لا نسياق الكلام على احوال الكفرة.