التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٧
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٨
-آل عمران

روح البيان في تفسير القرآن

{ان الذين يشترون} اى يستبدولن ويأخذون {بعهد الله} اى بدل ما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاء بالامانات {وايمانهم} وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه {ثمنا قليلا} هو حطام الدنيا {اولئك} الموصوفون بتلك الصفات القبيحة {لاخلاق} لا نصيب {لهم فى الآخرة} ولا فى نعيمها {ولا يكلمهم الله} وهو كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ذلك {ولا ينظر اليهم يوم القيامة} وهو مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم {ولا يزكيهم} اى لا يثنى عليهم كما يثنى على اوليائه مثل ثناء المزكى للشاهد. والتزكية من الله تعالى قد تكون على ألسنة الملائكة كقوله تعالى { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } [الرعد: 23].
وقد تكون بغير واسطة اما فى الدنيا فكقوله تعالى
{ التائبون العابدون } [التوبة: 112].
واما فى الآخرة فكقوله تعالى
{ سلام قولا من رب رحيم } [يس: 58].
{ولهم عذاب أليم} على ما فعلوه من المعاصى.
والآية نزلت فى اليهود الذين حرفوا التوارة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واخذوا الرشوة على ذلك {وان منهم} اى من اليهود المحرفين {لفريقا} ككعب بن الاشرف ومالك بن الصيف واضرا بهما {يلوون} من اللى وهو الفتل {ألسنتهم بالكتاب} اى يفتلونها بقراءته فيميلونها من المنزل الى المحرف {لتحسبوه} اى المحرف المدلول عليه يلوون {من الكتاب} اى من جملته {وما هو من الكتاب} حال من الضمير المنصوب اى والحال انه ليس منه فى نفس الامر وفى اعتقادهم ايضا {ويقولون} مع ما ذكر من اللى والتحريف على طريقة التصريح لا بالتوراة والتعريض {هو} اى المحرف {من عند الله} اى منزل من عند اله {وما هو من عند الله} اى والحال انه ليس من عنده تعالى فى اعتقادهم ايضا {ويقولون على الكذب وهم يعملون} انهم كاذبون ومفترون على الله وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله تعالى والتعمد فيه.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الاشرف وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب.
والاشارة فى الآيتين {ان الذين يشترون بعهد الله} الذى عاهدهم الله به يوم الميثاق فى التوحيد وطلب الوحدة {وايمانهم} التى يحلفون بها ههنا {ثمنا قليلا} من متاع الدنيا وزخارفها مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية {اولئك لاخلاق لهم فى الآخرة} الروحانية من نسيم روائح الاخلاق الربانية {ولا يكلمهم الله} تقريبا وتكريما وتفهيما {ولا ينظر اليهم يوم القيامة} بنظر العناية والرحمة فيرحمهم ويزكيهم عن الصفات التى بها يستحقون دركات جهنم {ولا يزكيهم} عن الصفات الذميمة التى هى وقدود النار بالنار الى الابد ولا يتخلصون منها ابدا {ولهم عذاب اليم} فيما لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم {وان منهم} اى من مدعى اهل المعرفة {لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} اى بكلمات اهل المعرفة {لتحسبوه} من المعرفة {ما هو من الكتاب} الذى كتب الله فى قلوب العارفين {ويقولون هو من عند الله} يعنى من العلم اللدنى {وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب} باظهار الدعاوى عند فقدان المعانى {وهم يعلمون} ولا يعملون انهم يقولون ما لا يفعلون: قال اسعدى قدس سره

كرا جامه باكست وسيرت بليد در دور خش را نبايد كليد

يعنى يدخل جهنم من قبل ان يحاسب على ما فعله لان مآله الى النار والمحاسبة وان كانت نوعا من التعذيب الا ان عذاب جهنم اشد منها

اكر مردى ازمردىء خود مكوى نه هر شهسوارى بدر برد كوى

يعنى كل عابد لا يخلص ايمانه فى عاقبته بل من المتعيشين بالصلاح من يموت على الطلاح والعياذ بالله

كسى سر بزركى نباشد بجيز كدو سر بزركست وبى مغز نيز
ميفر از كردن بدستار وريش كه دستار ينبه است وسبلت حشيش

اى النبات اليابس. فيا ارباب الدعاوى أين المعانى. ويا أرباب المعرفة أين المحبة اين الطاعة - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج نساء بيد كل واحدة منهن مقراض تقرض صدرها وتقطعه قطعة فسأل جبريل عليه السلام عنهن فقال هن اللاتى ولدن اولادا من الزنى مع وجود ازواجهن واولادهن. قال الشيخ الصفى قدس سره ان الذين يدعون المعرفة وتمكنهم فى مقام الارشاد ويراؤن جلبا لحطام الدنيا عذابهم اشد من عذاب هؤلاء النساء سبعين مرة فمن جعل القرآن وسيلة لجلب زخارف الدنيا اولى منه من يجلبها بالمعازف وآلات اللهو مثلاً اذا كان فى محل رفيع خبز لا تصل اليه اليد وليس هناك غير مصحف وطنبور فالاولى ان يجعل الطنبور تحت القدم للوصول دون المصحف وهكذا فيما نحن فيه: قيل

دين فروشى مايه كردن هست خسران مبين سود مند آنكس كه دينا صرف كرد ودين خريد

فلو نظرت الى شيوخ الزمان وجدت اكثرهم مدعين مالم يتحققوا به يضلون الناس باكاذيب ويروون اساليب ليس فيها اثر من المعانى والحقيقة.
فعلى العاقل ان لا يغتر بظاهرهم ولا يخرج عن المنهاج مقتفيا بآثارهم بل يجتهد الى ان يميز بين الحق والباطل والعارف والجاهل وماذا بعد الحق الا الضلال عصمنا الله واياكم من الزيغ وسيآت الاعمال آمين يا متعال.