التفاسير

< >
عرض

فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦

روح البيان في تفسير القرآن

{فسخرنا له الريح} قال ابو عمرو انه ريح الصبا اى فذللناها لطاعة سليمان اى جعلناها مطيعة لا تخالفه اجابة لدعوته فعاد امره عليه السلام على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن انابته: وبالفارسية [بس رام كردانيدم مر سليمان را باد تافرمان وى برد].
وفيه اشارة الى ان سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل فى سبيل الله عوضه الله مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما فى التأويلات النجمية وقد سبق ايضا من كشف الاسرار.
قال البقلىرحمه الله كان سليمان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر الى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق الى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر الله له الريح واجراها بمراده وهذا جزاء صبره فى ترك حظوظ نفسه {تجرى بامره} بيان لتسخيرها له {رخاء} حال من ضمير تجرى. والرخاء الريح اللينة من قولهم شىء رخو كما فى المفردات: وبالفارسية [نرم وخوش].
وفى الفتوحات المكية ان الهواء لا يسمى ريحا الا اذا تحرك وتموج فان اشتدت حركته كان زعزعا وان لم تشتد كان رخاء وهو ذو روح يعقل كسائر اجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجرى به الجوارى ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والاشجار ويموج البحر وتزلزل الارض ويزجى السحاب انتهى. والمعنى حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافى بين كونها لينة الهبوب وبين قوله تعالى
{ ولسليمان الريح عاصفة } لان المراد ان تلك الريح ايضا فى قوة الرياح العاصفة الا انها لما جرت بامره عليه السلام كانت لينة رخاء او تسخر له كلا نسيميها {حيث اصاب} ظرف لتجرى او لسخرنا. واصاب بمعنى اراد لغة حميرا وهجر.
وفى القاموس الاصابة القصد اى حيث قصد واراد من النواحى والاطراف.
واعلم ان المراد بقوله بامره جريان الريح بمجرد امره من غير جمعية خاطر ولا همة قلب فهو الذى جعل الله من الملك الذى لا ينبغى لاحد من بعده لا مجرد التسخير فان الله تعالى سخر لنا ايضا ما فى السموات وما فى الارض وما بينهما لكن انما تفعل اجرام العالم لهمم النفوس اذا اقيمت فى مقام الجمعية فهذا التسخير عن امر الله لا عن امرنا كحال سليمان عليه السلام