التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
-النساء

روح البيان في تفسير القرآن

{يا ايها الناس} خطاب عام يتناول الموجودين فى زمان الخطاب ومن بعدهم دون المنقرضين بدليل انهم ما كانوا متعبدين بشرعنا فلو كان عاما لجميع بنى آدم لزم ان يتعبدوا بشرعنا وهو محال {اتقوا ربكم} فى حفظ ما بينكم من الحقوق وما يجب وصله ومراعاته ولا تضيعوه ولا تقطعوا ما امرتم بوصله {الذى خلقكم} اى قدر خلقكم حالا بعد حال على اختلاف صوركم وألوانكم {من نفس واحدة} اى من اصل واحد وهو نفس آدم ابيكم وعقب الاتقاء بمنة الخلق كيلا يتقى الا الخالق وبين اتحاد الاب فان فى قطع التزاحم حضا على التراحم {وخلق منها} اى من تلك النفس يعنى من بعضها {زوجها} امكم حواء بالمد من ضلع من اضلاعه اليسرى ـ روى ـ ان الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام واسكنه الجنة القى عليه النوم فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من قصيراه فلما انتبه وجدها عنده فمال اليها وألفها لأنها كانت مخلوقة من جزء من اجزائه واخرت حواء فى الذكر وان كانت مقدمة فى الخلق لان الواو لا ترتيب فيها {وبث} اى فرق ونشر {منهما} من تلك النفس وزوجها المخلوقة بطريق التوالد والتناسل {رجالا كثيرا} تذكيره للحمل على الجمع والعدد {ونساء} اى بنين وبنات كثيرة. واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها اذ الحكمة تقتضى ان يكون اكثر. وترتيب الامر بالتقوى على هذه القصة لان المراد به تمهيد للامر بالتقوى فيما يتصل بحقوق اهل منزله وبنى جنسه على ما دلت عليه الآيات التى بعدها فكأنه قيل اتقوا ربكم الذى وصل بينكم حيث جعلكم صنوانا متفرعة من ارومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض من حقوق المواصلة التى بينكم فحافظوا عليها ولا تغفلوا عنها {واتقوا الله} اى لا تقطعوا فى الدين والنسب اغصانا تتشعب من جرثومة واحدة {الذى تساءلون به} فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض اسألك بالله {والارحام} اى يسأل بعضكم بعضا بالله فيقول بالله وبالرحم واناشدك الله والرحم افعل كذا على سبيل الاستعطاف وجرت عادة العرب على ان احدهم اذا استعطف غيره يقرن الرحم فى السؤال والمناشدة بالله ويستعطف به. فقوله والارحام بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمرا أو على الله اى اتقوا الله واتقوا الارحام فصلوها ولا تقطعوها وقد نبه سبحانه اذ قرن الارحام باسمه على ان صلتها بمكان منه وعنه صلى الله عليه وسلم "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله ومن قطعنى قطعه الله"
. وقال صلى الله عليه وسلم "ما من عمل حسنة اسرع ثوابا من صلة الرحم وما من عمل سيئة اسرع عقوبة من البغى"
.فينبغى للعباد مراعاة الحقوق لان الكل اخ لاب وام وهما آدم وحواء سيما المؤمنين لان فيهم قرابة الايمان والدين وكذا الحال فى قرابة الطين {ان الله كان عليكم رقيبا} الرقيب هو المراقب الذى يحفظ عليك جميع افعالك اى حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الافعال والاقوال وعلى ما فى ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك فبين الله تعالى انه يعلم السر واخفى وانه اذا كان كذلك فيجب ان يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتى ويذر.
واعلم ان التقوى هى العمدة وهى سبب الكرامة العظمى فى الدنيا والعقبى ـ حكى ـ انه كان بالبصرة رجل معروف بالمسكى لانه كان يفوح منه رائحة المسك فسئل عنه فقال كنت من احسن الناس وجها وكان لى حياء فقيل لأبى لو أجلسته فى السوق لانبسط مع الناس فاجلسنى فى حانوت بزاز فجازت عجوز وطلبت متاعا فاخرجت لها ما طلبت فقالت لو توجهت معى لثمنه فمضيت معها حتى ادخلتنى فى قصر عظيم فيه قبة عظيمة فاذا فيها جارية على سرير عليه فرش مذهبة فجذبتنى الى صدرها فقلت الله الله فقالت لا بأس فقلت انى حازق فدخلت الخلاء وتغوطت ومسحت به وجهى وبدنى فقيل انه مجنون فخلصت ورأيت الليلة رجلا قال لى اين انت من يوسف بن يعقوب ثم قال أتعرفنى قلت لا قال انا جبريل ثم مسح بيده على وجهى وبدنى فمن ذلك الوقت يفوح المسك على من رائحة جبريل عليه السلام وذلك ببركة التقوى.
والتقوى فى عرف الشرع وقاية النفس عما يضرها فى الآخرة وهى على مراتب. الاولى التوقى عن العذاب المخلد بالتبرى من الشرك وعليه قوله تعالى
{ وألزمهم كلمة التقوى } [الفتح: 26].
والثانية التجنب عن كل اثم وهو المتعارف باسم التقوى وهو المعنى بقوله تعالى
{ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا } [المائدة: 65].
والثالثة التنزه عن جميع ما يشغله وهو التقوى الحقيقى المطلوب بقوله تعالى
{ اتقوا الله حق تقاته } [آل عمران: 102].
ومن هذا القبيل ما حكى عن ذى النون المصرى انه لما جاء اليه بعض الوزراء وطلب الهمة واظهر الخشية من السلطان قال له لو خشيت انا من الله كما تخشى انت من السلطان لكنت من جملة الصديقين

كرنبودى اميد راحت ورنج باى درويش بر فلك بودى
وروزير ازخدا بترسيدى همجنان كزملك ملك بودى

فينبغى للسالك ان يتقى ربه ويراقب الله فى جميع احواله كما قال تعالى {ان الله كان عليكم رقيبا} والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه وهذا اصل كل خير ولا يكاد يصل الى هذه الرتبة الا بعد فراغه من المحاسبة فاذا حاسب نفسه على ما سلف واصلح حاله فى الوقت ولازم طريق الحق واحسن ما بينه وبين الله من مراعاة القلب وحفظه مع الله الانفاس وراقب الله سبحانه فى عموم احواله فيعلم انه عليه رقيب ومن قلبه قريب يعلم احواله ويرى افعاله ويسمع اقواله ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة.
قال سليمان بن على لحميد الطويل عظنى قال لئن كنت عصيت الله خاليا وظننت انه يراك فقد اجترأت على امر عظيم ولئن كنت تظن انه لا يراك فقد كفرت لقوله تعالى {ان الله كان عليكم رقيبا}.
وكان بعض الصالحين له تلامذة وكان يخص واحدا منهم باقباله عليه اكثر مما يقبل على غيره فقالوا له فى ذلك فقال ابين لكم فدفع لكل واحد من تلامذته طائرا وقال له اذبحه بحيث لا يراك احد ودفع الى هذا ايضا فمضوا ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طيره وجاء هذا بالطير حيا فقال له هلا ذبحته فقال امرتنى ان اذبحه بحيث لا يراه احد ولم اجد موضعا لا يراه احد فقال لهذا اخصه باقبالى عليه

جهان مرآت حسن شاهد ماست فشاهد وجهه فى كل ذرات