التفاسير

< >
عرض

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً
٢٨
-النساء

روح البيان في تفسير القرآن

{يريد الله ان يخفف عنكم} ما فى عهدتكم من مشاق التكاليف فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة ورخص لكم فى المضايق كاحلال نكاح الامة وغيره من الرخص {وخلق الانسان ضعيفا} عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبر عن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه فى مشاق الطاعات.
قال الكلبى اى لا يصبر عن النساء.
قال سعيد بن المسيب ما ايس الشيطان من ابن آدم الا اتاه من قبل النساء وقد اتى علىّ ثمانون سنة وذهبت احدى عينى وانا اعشو بالاخرى وان اخوف ما اخاف على نفسى فتنة النساء.
وقال ابو هريرة رضى الله عنه اللهم انى اعوذ بك من ان ازنى واسرق فقيل له كبر سنك وانت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاف على نفسك من الزنى والسرقة قال كيف آمن على نفسى وابليس حى: قال الحافظ

جه جاى من كه بلغزد سبهر شعبده باز ازين حيل كه در انبانه بهانه تست

والاشارة فى تحقيق الآيات ان الله تعالى انعم على هذه الامة بارادة اربعة اشياء. اولها التبيين وهو ان يبين لهم صراط المستقيم الى الله. وثانيا الهداية وهو ان يهديهم الى الصراط المستقيم بالعيان بعد البيان. وثالثها التوبة عليهم وهى ان يرجع بهم الى حضرته على صراط الله. ورابعها التخفيف عنهم وهو ان يوصلهم الى حضرته بالمعونة ويخفف عنهم المؤونة.
وهذا مما اختص به نبينا عليه السلام وامته لوجهين. احدهما ان الله اخبر عن ذهاب ابراهيم عليه السلام الى حضرته باجتهاده وهو المؤونة بقوله
{ إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } [الصافات: 99].
واخبر عن موسى عليه السلام بمجيئه وهو ايضا المؤونة وقال
{ ولما جاء موسى لميقاتنا } [الأعراف: 143].
واخبر عن حال نبينا عليه السلام بقوله
{ سبحان الذى أسرى بعبده ليلاً } [الإسراء: 1].
وهو المعونة فخفف عنه المؤونة واخبر عن حال هذه الامة بقوله
{ سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } [فصلت: 53].
وهو ايضا بالمعونة وهى جذبات العناية. والوجه الثانى ان النبى عليه السلام وامته مخصوصون بالوصول والوصال مخفف عنهم كلفة الفراق والانقطاع فاما النبى عليه السلام فقد خص بالوصول الى مقام قاب قوسين او ادنى وبالوصال بقوله
{ ما كذب الفؤاد ما رأى } [النجم: 11].
وانقطع سائر الانبياء عليهم السلام فى السموات السبع كما رأى ليلة المعراج آدم فى سماء الدنيا الى ان رأى ابراهيم عليه السلام فى السماء السابعة فعبر عنهم جميعا الى كمال القرب والوصول. واما الامة فقال فى حقهم
"من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا"
.فهذا هو حقيقة الوصول والوصال ولكن الفرق بين النبى والولى فى ذلك ان النبى مستقل بنفسه فى السير الى الله والوصول ويكون حظه من كل مقام بحسب استعداده الكامل والولى لا يمكنه السير الا فى متابعة النبى وتسليكه فى سبيل الله { قل هذه سبيلى ادعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } [يوسف: 108].
ويكون حظه من المقامات بحسب استعداده فينبغى ان يسارع العبد الى تكميل المراتب والدرجات برعاية السنة وحسن المتابعة لسيد الكائنات.
قال جنيد البغدادى قدس سره مذهبنا هذا مقيد باصول الكتاب والسنة.
قال على كرم الله وجهه الطرق كلها مسدودة على الخلق الا من اقتفى اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم

كرت بايدكه بينى روى ايمان رخ ازآيينه امرش مكردان
زشرعش سرمييج ازهيج رويى كه همجون شانه ميكردى بمويى

قال الشيخ السعدى قدس سره

خلاف بيمبر كسى ره كزيد كه هر كز بمنزل نخواهد رسيد
محالست سعدى كه راه صفا توان رفت جز بربى مصطفا

ثم فى قوله تعالى {وخلق الانسان ضعيفا} اشارة الى ان الانسان لا يصبر عن الله لحظة لضعفه مهما يكون على الفطرة الانسانية فطرة الله التى فطر الناس عليها فانه يحبهم ويحبونه وهو ممدوح بهذا الضعف فان من عداه يصبرون عن الله لعدم اضطرارهم فى المحبة والانسان مخصوص بالمحبة.
واعلم ان هذا الضعف سبب لكمال الانسان وسعادته وسبب لنقصانه وشقاوته لانه يتغير لضعفه من حال الى حال ومن صفة الى اخرى فيكون ساعة بصفة بهيمة يأكل ويشرب ويجامع ويكون ساعة اخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له ويفعل ما يؤمر ولا يعصى فيما نهاه عنه وهذه التغيرات من نتائج ضعفه وليس هذا الاستعداد لغيره حتى الملك لا يقدر ان يتصف بصفات البهيمة والبهيمة لا تقدر ان تتصف بصفة الملك لعدم ضعف الانسانية وانما خص الانسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق باخلاق الله واتصافه بصفات الله كما جاء فى الحديث الربانى
"انا ملك حى لا اموت ابدا عبدا اطعنى اجعلك ملكا حيا لا يموت ابدا"
.فعند هذا الكمال يكون خير البرية وعند اتصافه بالصفات البهيمية يصير شر البرية

كى شوى انسان كامل اى دل ناقص عقل