التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً
٤٨
-النساء

روح البيان في تفسير القرآن

{ان الله لا يغفر ان يشرك به} اى لا يغفر الكفر ممن اتصف به بلا توبة وايمان لان الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدى الى فتحه ولان ظلمات الكفر والمعاصى انما يسترها نور الايمان فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شىء من الكفر والمعاصى {ويغفر ما دون ذلك} اى ويغفر ما دون الشرك فى القبح من المعاصى صغيرة كانت او كبيرة تفضلا من لدنه واحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل احد بل {لمن يشاء} ان يغفر له ممن اتصف به فقط اى لا بما فوقه.
قال شيخنا السيد الثانى سمى جامع القرآن وهم المؤمنون الذين اتقوا من الاشراك بالله تعالى فيغفر لهم ما دون الاشراك من الصغائر والكبائر لعدم اشراكهم به ولا يغفر للمشركين ما دون الاشراك ايضا لاشراكهم به فكما ان اشراكهم لا يغفر فكذلك ما دون اشراكهم لا يغفر بخلاف المؤمنين فانه تعالى كما وقاهم من عذاب الاشراك بحفظهم عنه كذلك وقاهم من عذاب ما دونه بمغفرته لهم {ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما} اى من افترى واختلق مرتكبا اثما لا يقادر قدره ويستحقر دون جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا.
وهذه الآية من اجل الآيات التى كانت خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس وما غربت واعظمها لانها تؤذن بان ما دون الشرك من الذنب مغفور بحسب المشيئة والوعد المعلق بالمشيئة من الكريم محقق الانجاز خصوصا لعباده الموحدين المخلصين من المحمديين كما قال لهم
{ إن الله يغفر الذنوب جميعاً } [الزمر: 53].
ـ روى ـ ان وحشيا قاتل حمزة عم النبى عليه السلام كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انى اريد ان اسلم ولكن يمنعنى من الاسلام آية فى القرآن نزلت عليك وهو قوله تعالى
{ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } [الفرقان: 68].
وانى قد فعلت هذه الاشياء الثلاثة فهل لى من توبة فنزلت هذه الآية
{ الا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيأتهم حسنات } [الفرقان: 70].
فكتب ان فى الآية شرطا وهو العمل الصالح فلا ادرى انا اقدر على العمل الصالح ام لا فنزل قوله تعالى {ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فكتب بذلك الى وحشى فكتب اليه ان فى الآية شرطا فلا ادرى أيشاء ان يغفر لى ام لا فنزل قوله تعالى
{ قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } [الزمر: 53].
فكتب الى وحشى فلم يجد الشرط فقدم المدينة واسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"من مات ولم يشرك بالله شيأ دخل الجنة"
.ورأى ابو العباس شريح فى مرض موته كأن القيامة قد قامت واذا الجبار سبحانه وتعالى يقول اين العلماء فجاؤا فقال ماذا عملتم فيما علمتم فقلنا يا رب قصرنا واسأنا فاعاد السؤال فكأنه لم يرض به واراد جوابا آخر فقلت اما انا فليس فى صحيفتى شرك وقد وعدت ان تغفر ما دونه فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم ومات شريح بعده بثلاث ليال وهذا من حسن الظن بالله تعالى

كنونت كه جشمست اشكى ببار زبان در دهانست عذرى بيار
كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق زكفتن بخفت
غنيمت شمار اين كرامى نفس كه بى مرغ قيمت ندارد قفس

واعلم ان للشرك مراتب وللمغفرة مراتب. فمراتب الشرك ثلاث الجلى والخفى والاخفى. وكذلك مراتب المغفرة. فالشرك الجلى بالاعيان وهو للعوام وذلك بان يعبد شىء من دون الله تعالى كالاصنام والكواكب وغيرها فلا يغفر الا بالتوحيد وهو اظهار العبودية فى اثبات الربوبية مصدقا بالسر والعلانية. والشرك الخفى بالاوصاف وهو للخواص وذلك شوب العبودية بالالتفات الى غير الربوبية فى العبادة كالدنيا والهوى وما سوى المولى فلا يغفر الا بالوحدانية وهى افراد الواحد للواحد بالواحد. والشرك الاخفى وهو للاخص وذلك رؤية الاغيار والانانية فلا يغفر الا بالوحدة وهى فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوتية ليبقى بالهوية دون الانانية فان الله لا يغفر بمراتب المغفرة ان يشرك به بمراتب الشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء اى لمن يشاء المغفرة فيستغفر الله تعالى من مراتب الشرك فيغفر له بمراتب المغفرة ومن يشرك بالله بمراتب الشرك فقد افترى اثما عظيما اى جعل بينه وبين الله حجابا من اثبات وجود الاشياء وانانيته وهى اعظم الحجب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

نيستى جولانكه اهل دلست شاهراه عاشقان كاملست
جون وجودت محو كردى ازميان نوروحدت جشم دل را شد عيان
شرك رهزن باشداى دل در طريق ذكر توحيد خدارا كن رفيق