التفاسير

< >
عرض

بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٤
-فصلت

روح البيان في تفسير القرآن

{بشيرا} صفة اخرى لقرآنا اى بشيرا لمن صدقه وعرف قدره وادى حقه بالجنة والوصول {ونذيرا} لمن كذبه ولم يعرف قدره ولم يؤد حقه بالنار والفراق او بشيرا لمن اقبل الى الله بنعت الشوق ونذيرا لمن اقبل الى نفسه ونظر الى طاعته او بشيرا لاوليائه بنيل المقامات ونذيرا لهم يحذرهم من المخالفات لئلا يسقطوا من الدرجات او بشيرا بمطالعة الرجاء ونذيرا بمطالعة الخوف او بشيرا للعاصين بالشفاعة والغفران ونذيرا للمطيعين ليستعملوا الادب والاركان فى طاعة الرحمن او بشيرا لمن اخترناهم واصطفيناهم ونذيرا لمن اغويناهم {فاعرض اكثرهم} عن تدبره مع كونه على لغتهم والضمير لاهل مكة او العرب او المشركين دال عليه سيجىء من قوله { وويل للمشركين } {فهم لا يسمعون} سماع تفكر وتأمل حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به.
وفى التأويلات النجمية فاعرض اكثرهم عن اداء حقه فهم لا يسمعون بسمع القبول والانقياد.
وفيه اشارة الى ان الاقل هم اهل السماع وانما سمعوا بان ازال الله تعالى بلطفه ثقل الآذان فامتلأت الاذهان بمعانى القرآن.
سئل عبد الله ابن المبارك عن بدء حاله فقال كنت فى بستان فاكلت مع اخوانى وكنت مولعا اى حريصا بضرب العود والطنبور فقمت فى جوف الليل والعود بيدى وطائر فوق رأسى يصيح على شجرة فسمعت الطير يقول
{ ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله } الآية فقلت بلى وكسرت العود فكان هذا اول زهدى.
وقد ورد فى التوراة انه تعالى قال "يا عبدى أما تستحيى منى اذ يأتيك كتاب من بعض اخوانك وانت فى الطريق تمشى فتعدل عن الطريق وتقعد لاجله وتقرأه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك منه شىء وهذا كتابى انزلته اليك انظره كم فصلت لك فيه من القول وكم كررت فيه عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم انت معرض عنه او كنت اهون عليك من بعض اخوانك. يا عبدى يقعد اليك بعض اخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغى الى حديثه بكل قلبك فان تكلم متكلم او شغلك شاغل عن حديثه اومات اليه ان كف وها انا مقبل عليك ومحدث لك وانت معرض بقلبك عنى أفجعلتنى اهون عندك من بعض اخوانك" كذا فى الاحياء