التفاسير

< >
عرض

يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٩
-المائدة

روح البيان في تفسير القرآن

{يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} حال كونه {يبين لكم} الشرائع والاحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد {على فترة} كائنة {من الرسل} مبتدأة من جهتهم وعلى متعلق بجاءكم على الظرفية اى جاءكم على حين فتور من الارسال وانقطاع من الوحى ومزيد احتياج الى بيان الشرائع والاحكام الدينية يقال فتر الشىء يفتر فتورا اذا سكنت حركته وصارت اقل مما كانت عليه وسميت المدة بين الانبياء فترة لفتور الدواعى فى العمل بتلك الشرائع ونبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعث بعد انقطاع الرسل لان الرسل كانت متواترة بعضها فى اثر بعض الى وقت رفع عيسى عليه السلام {ان تقولوا} تعليل لمجيئ الرسول بالبيان على حذف المضاف اى كراهة ان تقولوا معتذرين عن تفريطكم فى مراعاة احكام الدين {ما جاءنا من بشير} يبشرنا بالجنة {ولا نذير} يخوفنا بالنار وقد انطمست آثار الشرائع السابقة وانقطعت اخبارها {فقد جاءكم بشير ونذير} متعلق بمحذوف تنبىء عنه الفاء الفصيحة وتبين انه معلل به اى لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير اى بشير ونذير أى نذير على ان التنوين للتفخيم.
وفى الآية امتنان عليهم بان بعث اليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا احوج ما يكون اليه {والله على كل شىء قدير} فيقدر على الارسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بينهما الف وسبعمائة سنة والف نبى وعلى الارسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما السلام حيث كان بينهما ستمائة سنة وتسع وتسعون سنة او خمسمائة وست واربعون سنة واربعة انبياء على ما روى الكلبى ثلاثة من بنى اسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسى وقيل لم يكن بعد عيسى الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الانسب بما فى تنوين فترة من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بان الرسول قد بعث اليهم عند كمال حاجتهم اليه بسبب مضى دهر طويل بعد انقطاع الوحى ليعدوه اعظم نعمة من الله وفتح باب الى الرحمة وتلزمهم الحجة فلا يتعللوا غدا بانه لم يرسل اليهم من ينبههم من غفلتهم كذا فى الارشاد.
وفى الحديث
"انا اولى الناس بعيسى ابن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى"
.قال ابن الملك بطل بهذا قول من قال الحواريون كانوا انبياء بعد عيسى عليه السلام انتهى ومعنى قوله نبى اى نبى داع للخلق الى الله وشرعه واما خالد بن سنان فان اظهر بدعواه الانباء عن البرزخ الذى بعد الموت وما اظهر نبوته فى الدنيا.
وقصته انه كان مع قومه يسكنون بلاد عدن فخرجت نار عظيمة من مغارة فاهلكت الزرع والضرع فالتجأ اليه قومه فاخذ خالد يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المغارة التى خرجت منها ثم قال لاولاده انى ادخل المغارة خلف النار لاطفئها وامرهم ان يدعوه بعد ثلاثة ايام تامة فانهم ان نادوه قبل ثلاثة ايام فهو يخرج ويموت وان صبروا ثلاثة ايام يخرج سالما فلما دخل صبروا يومين واستفزهم الشيطان فلم يصبروا فظنوا انه هلك فصاحوا به فخرج خالد من المغارة وعلى رأسه ألم حصل من صياحهم فقال ضيعتمونى واضعتم قولى ووصيتى واخبرهم بموته وامرهم ان يقبروه ويرقبوه اربعين يوما فانه يأتيهم قطيع من الغنم يتقدمه حمار ابتر مقطوع الذنب فاذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره فانه يقوم ويخبرهم باحوال البرزخ والقبر عن يقين ورؤية فانتظروا اربعين يوما فجاء القطيع وتقدمه حمار ابتر فوقف حذاء قبره فهمّ مؤمنوا قومه قومه ان ينبشوا عليه فابى اولاده خوفا من العار لئلا يقال لهم اولاد المنبوش قبره فحملتهم الحمية الجاهليةعلى ذلك فضيعوا وصيته واضاعوه
"فلما بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءته بنت خالد فقال عليه السلام مرحبا بابنة نبى اضاعه قومه"
.وانما امر خالد ان ينبش عليه ليسأل ويخبر ان الحكم فى البرزخ على صورة الحياة الدنيا فيعلم بذلك الاخبار صدق الرسل كلهم بما اخبروا به فى حياتهم الدنيا فكان غرض خالد عليه السلام ايمان العالم كله بما جاءت به الرسل من احوال القبر والمواطن والمقامات البرزخية ليكون رحمة للجميع فانه تشرف بقرب نبوته من نبوة محمد عليه السلام وعلم خالد ان الله ارسله رحمة للعالمين ولم يكن خالد برسول فاراد ان يحصل من هذه الرحمة فى الرسالة المحمدية على حظ اوفر ولم يؤمر بالتبليغ فاراد ان يحظى فى البرزخ بذلك التبليغ من مقام الرسالة ليكون اقوى فى العلم فى حق الخلق اى ليعلم قوة علمه باحوال الخلائق فى البرزخ فاضاعه قومه وانما وصف النبى قومه بانهم اضاعوا نبيهم اى وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخباره احوال القبر كذا فى الفصوص وشروحه.
واتفق العلماء على انه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل فى عاشر شهر ربيع الاول فى ليلة يوم الاثنين منه فلما تشرف العالم وجوده الشريف وعنصره اللطيف اضاءت قلوب الخلق واستنارت فهداهم الله به عليه السلام فابصره من ابصر وعمى من عمى وبقى فى الكفر والضلال

دركار خانه عشق ازكفرنا كزيرست آتش كرابسوزد كر بولهب نباشد

وانما اضاف تعالى الرسول الى نفسه وقال رسولنا وما اضاف اليهم لان فائدة رسالته لم تكن راجعة اليهم ولما خاطب هذه الامة واخبرهم عن مجيىء الرسول ما اضافه الى نفسه وانما جعله من انفسهم فقال { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [التوبة: 128].
لان فائدة رسالته كانت راجعة الى انفسهم كما فى التأويلات النجمية.
فعلى المؤمن ان يقتفى اثر الرسول صلى الله عليه وسلم ويتفكر فى الوعد والوعيد فقد جاء البشير والنذير بحيث لم يبق للاعتذار مجال اصلا ـ
"وروى ـ ان جبير بن مطعم قال كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بالجحفة فقال أليس تشهدون ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله وان القرآن جاء من عند الله فقلنا بلى قال فابشروا فان هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فتمسكوا به فانكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده ابدا" .