التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
-المائدة

روح البيان في تفسير القرآن

{انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} اى يحاربون اولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما لهم والمراد بالمحاربة قطع الطريق وهو انما يكون من قوم اجتمعوا فى الصحراء وتعرضوا لدماء المسلمين واموالهم وازواجهم وامائهم ولهم قوة وشوكة تمنعهم ممن ارادهم {ويسعون فى الارض فسادا} حال من فاعل يسعون اى مفسدين. نزلت فى قوم هلال بن عويمر الاسلمى وكان وادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن اتاه من المسلمين فهو آمن لا يهاج ومن مر بهلال الى رسول الله فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بنى كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ حاضرا فقطعوا عليهم وقتلوهم واخذوا اموالهم.
فان قلت بنفس ارادة الاسلام لا يخرج الشخص عن كونه حربيا والحد لا يجب بقطع الطريق عليه وان كان مستأمنا. قلت معناه تعلم احكام الاسلام فانهم كانوا مسلمين او يقال جاؤا على قصد الاسلام فهم بمنزلة اهل الذمة والحد واجب بالقطع على اهل الذمة ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون اخذ المال ومن القتل مع اخذه ومن اخذه بدون قتل ومن الاخافة بدون قتل واخذ شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل {ان يقتلوا} اى حدا من غير صلب ان افردوا القتل ولو عفا الاولياء لا يلتفت الى ذلك لانه حق الشرع ولا فرق بين ان يكون القتل بآلة جارحة او لا {او يصلبوا} اى يصلبوا مع القتل ان جمعوا بين القتل والاخذ بان يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح الى ان يموتوا ولا يصلبوا بعدما قتلوا لان الصلب حيا ابلغ فى الردع والزجر لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية {او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف} اى ايديهم اليمنى من الرسغ وارجلهم اليسرى من الكعب ان اقتصروا على اخذ مال من مسلم او ذمى وكان فى المقدار بحيث لو قسم عليهم اصاب كلا منهم عشرة دراهم او ما يساويها قيمة اما قطع ايديهم فأخذ المال واما قطع ارجلهم فلاخافة الطريق بتفويت امنه {او ينفوا من الارض} ان لم يفعلوا غير الاخافة والسعى للفساد والمراد بالنفى عندنا هو الحبس فانه نفى عن وجه الارض بدفع شرهم عن اهلها ويعزرون ايضا لمباشرتهم منكر الاخافة وازالة الامن {ذلك لهم خزى} كائن {فى الدنيا} اى ذل وفضيحة. قوله ذلك مبتدأ ولهم خبر مقدم على المبتدأ وهو الخزى والجملة خبر لذلك {ولهم فى الآخرة} غير هذا {عذاب عظيم} لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم. فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفى الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا من عذاب لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا اى كائنا فى الآخرة.