التفاسير

< >
عرض

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٥١
-الأنعام

روح البيان في تفسير القرآن

{قل} يا محمد لكفار مكة {تعالوا} امر من تعالى والاصل فيه ان يقوله من فى مكان عال لمن هو اسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم فتكلم به كل من تطلب ان يتقدم ويقبل اليه شخص سواء كان الطالب فى علو او سفل او غيرهما {اتل} جواب الامر اى اقرأ {ما حرم ربكم} اى الذى حرمه ربكم اى الآيات المشتملة عليه {عليكم} متعلق بحرم {ان} مفسرة {ألا} ناهية {تشركوا به} تعالى {شيئاً} من الاشياء فتقدير الكلام ذلك التحريم هو قوله لا تشركوا به شيئاً. اعلم ان هذه الآيات الثلاث الى قوله { لعلكم تتقون } [الأنعام: 153].
تشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله لم ينسخهنّ شئ من جميع الكتب فهن محرمات على بنى آدم كلهم لم يختلفن باختلاف الامم والاعصار من عمل بهن دخل الجنة ومت تركهن دخل النار. اولاهن قوله {ألا تشركوا به شيئا} قدم الشرك لانه رأس المحرمات ولا يقبل الله تعالى معه شيئاً من الطاعات وهو ينقسم الى جلى وخفى فالجلى عبادة الاصنام والخفى رؤية الاغيار مع الله الواحد القهار

تادم وحدت زدى حافظ شوريده حال خامه توحيد كش برورق اين وآن

{وبالوالدين احسانا} اى واحسنوا بهما احسانا اى لا تسيئوا اليهما لان المحرم هو الاساءة والامر بالشئ مستلزم للنهى عن ضده وكذا معنى اوفوا لا تبخسوا وانما وضع الامر موضع النهى للمبالغة فى ايجاب مراعاة حقوقهما فان مجرد ترك الاساءة غير كاف فى قضاء حقوقهما. وهذا هو الامر الثانى من الاحكام العشرة وانما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق لان الوالدين سببان قريبان لوجوده كما ان الله تعالى موجده فالتقاعد عن اداء حقوقهما عقوق فهو اكبر الكبائر بعد الشرك. قال بعض الاولياء كنت فى تيه بنى اسرائيل فاذا رجل يماشينى فتعجبت منه والهمت انه الخضر فقلت له بحق الحق من انت قال انا اخوك الخضر قلت بأى وسيلة رأيتك قال ببرك امك

جنت كه سراى مادرانست زير قدمات مادرانست

{ولا تقتلوا أولادكم} اى لا تدفنوا بناتكم حية {من املاق} من اجل فقر. والاملاق تفاد الزاد والنفقة يقال املق الرجل اذا نفد زاده ونفقته من الملق وهو بذل المجهود فى طلب المراد {نحن نرزقكم وإياهم} لا انتم فلا تخافوا الفقر بناء على عجزكم عن تحصيل الرزق. وهذا هو الحكم الثالث من الاحكام العشرة وانما حرم قتل الاولاد لما فيه من هدم بنيان الله وملعون من هدم بنيانه وفيه ابطال ثمرة شجرته ومحصوده وقطع نسله وترك التوكل فى امر الرزق يؤدى الى تكذيب الله تعالى لانه قال { وما من دابة فى الارض إلا على الله رزقها } [هود: 6]

ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم بايادشه بكوى كه روزى مقدرست

{ولا تقربوا الفواحش} اى الزنى وجىء بصيغة الجمع قصدا الى النهى عن انواعها ولذلك ابدل منها بدل اشتمال قوله {ما ظهر منها وما بطن} اى ما يفعل منها علانية فى الحوانيت كما هو دأب ارذالهم وما يفعل سرا باتخاذ الاخدان كما هو عادة اشرافهم. وهذا هو الحكم الرابع منها وتوجيه النهى الى قربانها للمبالغة فى النهى عنها ويدخل فى ذلك ما يبعده من الجنة ويدنيه من النار وهو ما ظهر وما يبعده من الحق ويحجبه عنه وان لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها وهو ما بطن وايضا ما ظهر منها بالفعل وما بطن بالنية ومن الزنى زنى النظر

اين نظر ازدور جون تيراست وسم عشقت افزون ميشود صبر توكم

وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشيطان من الرجل فى ثلاثة منازل فى عينيه وفى قلبه وفى ذكره وهو من المرأة فى ثلاثة منازل فى عينيها وفى قلبها وفى عجزها {ولا تقتلوا النفس التى حرم الله} اى حرم قتلها بان عصمها بالاسلام او بالعهد فيخرج منها الحربى {الا بالحق} استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا تقتلوها فى حال من الاحوال الا حال ملابستكم بالحق الذى هو امر الشرع بقتلها وذلك بالكفر بعد الايمان والزنى بعد الاحصان وقتل النفس المعصومة. وهذا هو الحكم الخامس وفى القتل ترك تعظيم امر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين.
والاشارة ان القتل الحق هو القتل فى طلب الحق والمقتول فى سبيل الله هو حى عند ربه.
وعن ابى سعيد الخراز كنت بمكة فجزت يوما بباب بنى شيبة فرأيت شابا حسن الوجه ميتا فنظرت فى وجهه فتبسم فى وجهى وقال لى يا ابا سعيد اما علمت ان الاحباب احياء وان ماتوا وانما ينقلون من دار الى دار

مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست

{ذلكم} اشارة الى ما ذكر من التكاليف الخمسة {وصٰكم به} اى امركم ربكم بحفظه امرا مؤكداً {لعلكم تعقلون} اى تستعملون عقولكم التى تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة.