التفاسير

< >
عرض

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ
١٥٥
وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
١٥٦
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٥٧
-الأعراف

روح البيان في تفسير القرآن

{واختار موسى} الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال اختار الشيء اذا اخذ خيره وخياره {قومه} اى من قومه بحذف الجار وايصال الفعل الى المجرور وهو مفعول ثان {سبعين رجلا} مفعول اول {لميقاتنا} اى للوقت الذى وقتناه له وعيناه ليأتى فيه بسبعين رجلا من خيار بنى اسرائيل ليعتذروا عن ما كان من القوم من عبادة العجل فهذا الميقات ميقات التوبة لا ميقات المناجاة والتكليم وكان قد اختار موسى عليه السلام عند الخروج الى كل من الميقاتين سبعين رجلا من قومه وكانوا اثنى عشر سبطا فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال موسى ليتخلف منكم رجلان فانى انما امرت بسبعين فتنازعوا فقال ان لمن قعد مثل اجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين الى الجبل {فلما اخذتهم الرجفة} مما اجترأوا عليه من طلب الرؤية حيث قالوا { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55].
والرجفة هى الارتعاد والحركة الشديدة المراد اخذتهم رجفة الجبل فصعقوا منها اى ماتوا واكثر المفسرين على انهم سمعوه تعالى يكلم موسى يأمره بقتل انفسهم توبة فطمعوا ى الرؤية وقالوا ما قالوه ويرده قوله تعالى
{ يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى } [الأعراف: 144].
كما ذهب الهي صاحب التيسير {قال} موسى {رب لو شئت اهلكتهم من قبل} اى حين فرطوا فى النهى عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا اصرارهم عليها {واياى} ايضا حين طلبت منك الرؤية اى لو شئت اهلا كنا بذنوبنا لاهلكتنا حينئذ اراد به تذكر العفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق {أتهلكنا} الهمزة لانكار وقوع الاهلاك ثقة بلطف الله تعالى اى لا تهلكنا {بما فعل السفهاء} حال كونهم {منا} من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكأن ذلك قاله بعضهم اىلا يليق بشأنك ان تهلك جما غفيرا بذنب صدر عن بعضهم الذى كان سفيها خفيف الرأى {ان هى} اى ما الفتنة التى وقع فيها السفهاء {الا فتنتك} اى محنتك وابتلاؤك حيث اسمعتهم كلامك فافتتنوا بذلك ولم يثبتوا فطمعوا فى الرؤية.
يقول الفقير هذا يدل على انهم سمعوا كلامه تعالى على وجه الامتحان والابتلاء لا على وجه التكرمة والاجلال وذلك لا يقدح فى كون موسى عليه السلام مصطفى بالرسالة والكلام مع انه فرق كثير بين سماعهم وسماعه عليه السلام والله اعلم [ودر فصل الخطاب مذكورست كه حق تعالى موسى عليه السلام را در مقام بسط بداشت تابكمال حال انس رسيده وازروى دلال بدين جراءت اقدام نمود ودلال در مرتبه محبوبيت است وحضرت مولوى قدس سره فرمودكه كه كستاخى عاشق ترك ادب نيست بلكه عين ادبست]

كفت وكوى عاشقان دركار رب جوشش عشقست نه ترك ادب
هركه كردازجام حق يكجرعه نوش نه ادب ماند درونه عقل وهوش

{تضل بها} اى بسبب تلك الفتنة {من تشاء} ضلالة فيتجاوز عن حده بطلب ما ليس له {وتهدى من تشاء} هدايته الى الحق فلا يتزلزل فى امثالها فيقوى بها ايمانه {انت ولينا} اى القائم بامورنا الدنيوية والاخروية وناصرنا وحافظنا لا غير {فاغفر لنا} اى ما اقترفناه من المعاصى {وارحمنا} بافاضة آثار الرحمة الدنيوية والاخروية.
قال ابن الشيخ المغفرة هى اسقاط العقوبة والرحمة ايصال الخير وقدم الاول على الثانى لان دفع المضرة مقدم على تحصيل المنفعة {وانت خير الغافرين} تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. وايضا كل من سواك انما يتجاوز عن الذنب اما طلبا للثناء الجميل او للثواب الجزيل او دفعا للقسوة من القلب واما انت فتغفر ذنوب عبادك لا لاجل غرض وعوض بل بمحض الفضل والكرم فلا جرم انت خير الغافرين وارحم الراحمين وتخصيص المغفرة بالذكر لانها الاهم بحسب المقام {واكتب لنا} اى اثبت وعين لنا وذكر الكتابة لانها ادوم {فى هذه الدنيا حسنة} حسن معيشة وتوفيق طاعة {وفى الآخرة} اى واكتب لنا فيها ايضا حسنة وهى المثوبة الحسنى او الجنة {انا هدنا اليك} تعليل لطلب الغفران والرحمة من هاد يهود اذا رجع اى تبنا ورجعنا اليك عما صنعنا من المعصية العظيمة التى جئناك للاعتذار عنها وعما وقع ههنا من طلب الرؤية فبعيد من لطفك وفضلك ان لا تقبل توبة التائبين. قيل لما اخذتهم الرجفة ماتوا جميعا فاخذ موسى عليه السلام يتضرع الى الله حتى احياهم وقد تقدم فى سورة البقرة {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا قال الله تعالى عند دعاء موسى عليه السلام فقيل قال {عذابى} [عذاب من وصفت او آنست كه] {اصيب به} البا للتعدية معناه بالفارسية [ميرسانم] {من أشاء} تعذيبه من غير دخل لغيرى فيه {ورحمتى} [ورحمت من وصفت او آنست كه] {وسعت} فى الدنيا معناه {رسيده است} {كل شيء} المؤمن والكافر بل المكلف وغيره من كل ما يدخل تحت الشيئية وما من مسلم ولا كافر الا وعليه آثار رحمته ونعمته فى الدنيا فيها يتعيشون وبها ينقلبون ولكنها تختص فى الآخرة بالمؤمنين كما قال تعالى {فسأكتبها} اى اثبتها واعينها فى الآخرة {للذين يتقون} الكفر والمعاصى {ويؤتون الزكاة} خصها بالذكر لانها كانت اشق عليهم {والذين هم بآياتنا} جميعا {يؤمنون} ايمانا مستمرا فلا يكفرون بشيء منها.
قال ابن عباس رضى الله عنهما لما انزلت هذه الآية تطاول لها ابليس فقال انا شيء من الاشياء فاخرجه الله تعالى من ذلك بقوله {فسأكتبها} الخ فقالت اليهود والنصارى نحن نتقى ونؤتى الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فاخرجهم الله منها بقوله {الذين يتبعون الرسول} فى محل الجر انه صفة للذين يتقون او بدل منه يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم الذى نوحى اليه كتابا مختصا به {النبى} اى صاحب المعجزة.
وقال البيضاوى انما سماه رسولا بالاضافة الى ونبياً وبالاضافة الى العباد {الامى} الذى لا يكتب ولا يقرأ وكونه عليه السلام اميا من جملة معجزاته فانه عليه السلام لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما بانه ربما طالع فى كتب الاولين والآخرين فحصل هذه العلوم بتلك المطالعة فلما اتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على علوم الاولين من غير تعلم ومطالعة كان ذلك من جملة معجزاته الباهرة

نكار من كه بمكتب نرفت وخط ننوشت بغمزه مسأله آموز صد مدرس شد

من كان القلم الاعلى يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لا يحتاج الى تصوير الرسوم.
وقد وصف الله تعالى هذه الامة فى الانجيل امة محمد اناجيلهم فى صدورهم ولو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه صلى الله وسلم بقلوبهم لكمال قوتهم وظهور استعداداتهم. والام الاصل وعنده ام الكتاب {الذين يجدونه مكتوبا} باسمه وصفته {عندهم} متعلق بيجدون او بمكتوبا وكذا قوله {فى التورية والانجيل} اللذين تعبد بهما بنوا اسرائيل سابقا ولاحقا: وفى المثنوى

بيش ازانكه نقش احمد رونمود نعت اوهر كبررا تعويذ بود
سجده مى كردند كارى رب بشر درعيان آريش هرجه زودتر
نقش اومى كشت اندر راهشان دردل ودر كوش درافواه شان
اين همه تعظيم وتفخيم ووداد جون بديدندش بصورت بردباد
قلب آتش ديددردم شد سياه قلب را در قلب كى بودست راه

فان قيل الرحمة المذكورة لو اختص بها لزم ان لا تثبت لغيرهم من المؤمنين وليس كذلك.
اجيب بان هذا الاختصاص بالاضافة الى بنى اسرائيل الموجودين فى زمان النبى الامى ولم يؤمنوا به لا بالاضافة الى جميع ما عداهم {يأمرهم بالمعروف} اى بالتوحيد وشرائع الاسلام {وينهيهم عن المنكر} اى عن كل ما يعرف فى شريعة ولا سنة {ويحل لهم الطيبات} التى حرمت عليهم بشؤم ظلمهم كالشحوم {ويحرم عليهم الخبائث} كالدم ولحم الخنزير. فالمراد بالطيبات ما يستطيبه الطبع ويستلذه. وبالخبائث ما يستخبثه الطبع ويتنفر منه فتكون الآية دليلا على ان الاصل فى كل ما يستطيبه الطبع الحل وكل ما يستخبثه الطبع الحرمة الا لدليل منفصل. ويجوز ان يراد بهما ما طاب فى حكم الشرع. وما خبث كالربا والرشوة ومدلول الآية حينئذ ان ما يحكم الشرع بحله فهو حلال وما يحكم بحرمته فهو حرام ولا حكم لاستطابة الطبع واستخباثه فيهما {ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم} اى يخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة كتعين القصاص فى العمد والخطأ من غير شرع الدية وقطع الاعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وعدم الاكتفاء بغسله واحراق الغنائم وتحريم العمل يوم السبت بالكلية شبهت هذه التكاليف الشاقة بالحمل الثقيل وبالاغلال التى تجمع اليد الى العنق واصل الاصر الثقل الى يأصر صاحبه اى يحبسه من الحراك لثقله {فالذين آمنوا به} اى بنبوة الرسول النبى الامى واطاعوه فى اوامره ونواهيه {وعزروه} اى عظموه ووقروه واعانوا بمنع اعدائه عنه {ونصروه} على اعدائه فى الدين {واتبعوا النور الذى انزل معه} يعنى القرآن الذى ضياؤه فى القلوب كضياء النور فى العيون.
قال صاحب الكشاف فان قلت ما معنى قوله انزل معه وانما انزل مع جبريل قلت انزل مع نبوته لان استتباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به انتهى فمعه متعلق بانزال حال من ضميره بتقدير المضاف اى انزل ذلك النور مصاحباً لنبوته {اولئك} المنعوتون بتلك النعوت الجلية {هم المفلحون} اى الفائزون بالمطلوب الناجون من الكروب لا غيرهم من الامم فيدخل فيهم قوم موسى خولا اوليا حيث لم ينجوا مما فى توبتهم من المشقة الهائلة وبه يتحقق التحقيق ويتأتى التوفيق والتطبيق بين دعائه عليه السلام وبين الجواب وهو من قوله عذابى الى هنا فقد علم ان اتباع القرآن وتعظيم النبى عليه السلام بعد الايمان سبب للفوز والفلاح عند الرحمن ونصرته عليه السلام على العموم والخصوص فالعموم للعامة من اهل الشريعة والخصوص للخاصة من ارباب الطريقة واصحاب الحقيقة وهم الواصلون الى كمال انوار الايمان واسرار التوحيد بالاخلاص والاختصاص.
واعلم ان المقصود الالهى من ترتيب سلسلة الانبياء عليهم السلام هو وجود محمد صلى الله عليه وسلم فوجود الانبياء قبله كالمقدمة لوجود الشريف فهو الخلاصة والنتيجة والزبدة واشرف الانبياء والمرسلين كما قال عليه السلام
"فضلت على الانبياء بست اعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وارسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون"
. وكذلك المقصود من الكتب الالهية السالفة هو القرآن الذى انزل على النبى عليه السلام فهو زبدة الكتب الالهية واعظمها ومصدق لما بين يديه لانه بلفظ قد اعجز البلغاء ان يأتوا بسورة من مثله وبمعناه جامع لما فى الكتب السالفة من الاحكام والآداب والفضائل متضمن للحجج والبراهين والدلائل وكذا المقصود من الامم السالفة هو هذه الامة المرحومة اعنى امة محمد صلى الله عليه وسلم فهى كالنتيجة لما قبلها وهى الامة الوسط كما قال تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } [البقرة: 143].
وكذا المقصود من الملوك الماضية والسلاطين السالفة هو الملوك العثمانية فهو زبدة الملوك ودولتهم زبدة الدول حيث لا دولة بعدها لغيرهم الى ظهور المهدى وعيسى ويقاتلون من هم مبادى الدجال من الكفرة الفجرة من الافرنج والانكروس وغيرهم ولهم الجمعية الكبرى واليد الطولى والدولة العظمى فى الاقاليم السبعة واطراف البلاد من المغرب والمشرق ولم يعط هذا لواحد قبل دولتهم ويدل على هذه الجمعية كون اسم جدهم الاعلى عثمان فان عثمان رضى الله عنه جامع القرآن فهم مظاهر لاسم الحق كما كان عمر رضى الله عنه كذلك حيث انه لما اسلم قال يا رسول الله ألسنا على الحق قال عليه السلام
"والذى بعثنى بالحق نبيا كلنا على الحق"
. قال انا والذى بعثك بالحق نبيا لا نعبد الله بعد اليوم سرا فاظهر الله الدين بايمانه فكان ظهور الدين مشروطا بايمانه فهذا اول الظهور ثم وثم الى ان انتهى الى زمن الدولة العثمانية ولذلك يقاتلون على الحق فالسيف الذى بيدهم قد ورثوه كابرا عن كابر ومجاهدا عن مجاهد - حكى - ان عثمان الغازى جد السلاطين العثمانية انما وصل الى ما وصل برعاية كلام الله تعالى وذلك انه كان من اسخياء زمانه يبذل النعم للمترددين فثقل ذلك على اهل قريته وانعكس اليه ذلك وذهب ليشتكى من اهل القرية الى الحاج بكتاش او غيره من الرجال فنزل فى بيت رجل قد علق فيه مصحف فسأل عنه فقالوا هو كلام الله تعالى فقال ليس من الادب ان نقعد عند كلام الله فقام وعقد يديه مستقبلا اليه فلم تزل الى الصبح فلما اصبح ذهب الى طريقه فاستقبله رجل وقال انا مطلبك ثم قال له ان الله تعالى عظمك واعطاك وذريتك السلطنة بسبب تعظيمك لكلامه ثم امر بقطع شجرة وربط براسها منديلا وقال ليكن ذلك لواء ثم اجتمع عنده جماعة فجعل اول غزوته الى بلاجك وفتح بعناية الله تعالى ثم اذن له السلطان علاء الدين فى الظاهر ايضا فصار سلطانا ثم بعد ارتحاله صار ولده اورخان سلطانا ففتح هو بروسة المحروسة بالعون الآلهى فالدولة العثمانية من ذلك الوقت الى هذا الآن على الازدياد بسبب تعظيم كلام الله القديم وكما ان الله تعالى اظهر لطفه للاولين وكذلك يظهره للآخرين وان كان فى بعض الاوقات بظهر القهر والحلال تأديبا وتنبيها فتحته لطف وجمال: قال السعدى قدس سره

زظلمت مترس اى بسنديده دوست كه ممكن بود كاب حيوان دروست
دل از يى مرادى بفكرت مسوز شب آبستن است اى برادر بروز

والاشارة فى الآيات ان الله تعالى امتحن موسى عليه السلام قومه ليعلم ان المختار من الخلق من اختاره الله لا الذى اختاره الخلق وان الله الاختيار الحقيقى لقوله { وربك يخلق ما يشاء ويختار } [القصص: 68].
وليس للخلق الاختيار الحقيقى لقوله
{ ما كان لهم الخيرة } [القصص: 68].
ثم استخرج من القوم المختار ما كان موجبا للرجفة والصعقة والهلاك وهو سوء الادب فى سؤال الرؤية جهارا وكان ذلك مستورا عن نظر موسى متمكنا فى جبلتهم وكان الله المتولى للسرائر وحكم موسى بظاهر صلاحيتهم فاراه الله ان الذى اختاره يكون مثلك كقوله تعالى
{ وانا اخترتك فاستمع لما يوحى } [طه: 13].
والاذى تختاره يكون كالقوم فلما تحقق لموسى ان المختار من اختاره الله حكم بسفاهة القوم واظهر الاستكانة والتضرع والاعتذار والتوبة والاستغفار والاسترحام كما قال {فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياى آتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وفيه اشارة اخرى الى ان نار شوق الرؤية كما كانت متمكنة فى قلب موسى بالقوة وانما ظهرت بالفعل بعد ان سمع كلام الله تعالى من اصطكاك زناد الكلام وحجر القلب ظهر شرر نار الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان الصدوق وشعلت شعلة السؤال فقال
{ رب ارنى انظر اليك } [الأعراف: 143].
كذلك كانت نار الشوق متمكنة فى احجار قلوب القوم فباصطكاك زناد سمع الكلام ظهر شرر الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان ولما لم يكن اللسان لسان النبوة صعد منه دخان السؤال الموجب للصعقة والرجفة والسر فيه ان يعلم موسى وغيره ان قلوب العباد مختصة بكرامة ايداع نار المحبة فيها لئلا يظن موسى انه مخصوص به ويعذر غيره فى تلك المسألة فانها من غلبات الشوق تطرأ عند استماع كلام المحبوب ولذا قال عليه السلام
"ما خلق الله من بنى آدم من بشر الا وقلبه بين اصبعين من اصابع الرحمن ان شاء اقامه وان شاء ازاغه"
. وبالاصبعين يشير الى صفتى الجمال والجلال وليس لغير الانسان قلب مخصوص بهذه الكرامة واقامة القلب وازاغته فى ان يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفا ورحمة وفى ان يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهرا وعزة فالنكتة فيه ان قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله لرؤية شعلة نار المحبة مقرونا بحفظ الادب على بساط القرب بقوله { رب ارنى انظر اليك } [الأعراف: 143].
قدم عزة الربوبية واظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فان نار الشوق تصاعدت بسوء الادب فقالوا
{ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55].
قدموا الجحود والانكار وطلبوا الرؤية جهارا فاخذتهم الصاعقة بظلمهم فشتان بين صعقه موسى وصعقة قومه فان صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلى صفة الربوبية وان صعقتهم كانت صعقة القهر عند اظهار صفة العزة والعظمة ولما كان موسى عليه السلام ثابتا فى مقام التوحيد كان ينظر بنور الوحدة فيرى الاشياء كلها من عند الله فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفة قهره فتنة واختبارا لهم فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر موسى باقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال {ان هى الا فتنتك تضل بها من تشاء} أى تزيغ قلت من تشاء باصبع صفة القهر {وتهدى من تشاء} اى تقيم قلب من تشاء باصبع صفة اللطف {انت ولينا} اى المتولى لامورنا والناصر فى هدايتنا {فاغفر لنا} ما صدر منا {وارحمنا} بنعمة الرؤية التى سألناكها {وانت خير الغافرين} اى خير من يستر على ذنوب المذنبين يعنى انهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤلهم فانت الذى تستر الذنب وتبدله بالحسنات وتعطى سؤل اهل الزلات {واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة} يعنى حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد عليه السلام ولخواص امته هذه الحسنة فى الدنيا وفى الآخرة يعنى خصنا بهذه الفضيلة فى الدنيا {وفى الآخرة انا هدنا اليك} رجعنا اليك فى طلب هذه الفضيلة فى السر لا بالعلانية وانت الذى تعلم السر والاخفى واجابهم الله تعالى سرا بسر واضمارا باضمار {قال عذابى اصيب به من اشاء} اى بصفة قهرى آخذ من اشاء وبقراءة من قرأ أساء أى من أساء فى الادب عند سؤال الرؤية حيث قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة آخذهم على سوء ادبهم فادبهم بتأديب عذاب الفرقة {ورحمتى وسعت كل شيء} نعمة وايجادا وتربية {فساكتبها} يعنى حسنة الرؤية والرحمة بها التى انتم تسألونها {للذين يتقون ويؤتون الزكاة} يعنى يتقون بالله عن غيره ويؤتون من نصاب هذا المقام الزكاة الى طلابه {والذين هم بآياتنا يؤمنون} يعنى الذين يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الامة كما عرف احوالهم وصرح اعمالهم بقوله {الذين يتبعون الرسول النبى الامى} وفيه اشارة الى ان فى امته من يكون مستعدا لاتباعه فى هذه المقامات الثلاثة وهى مقامات الرسالة والنبوة التى هى مشتركة بينه وبين الرسول والانبياء والمقام الامى الى هو مخصوص به صلى الله عليه وسلم من بين الانبياء والرسل عليهم والسلام ومعنى الامى انه ام الموجودات واصل المكونات كما قال
"اول ما خلق الله روحى"
. وقال حكاية عن الله "لولاك لما خلقت الكون"
. فلما كان هو اول الموجودات واصلها سمى اميا لانها كانت مبدأ القرى واصلها وكما سمى ام الكتاب اما لأنه مبدأ الكتب واصلها فاما اتباعه فى مقام الرسالة والنبوة فبان يأخذ ما آتاه الرسول وينتهى عما نهاه عنه كما قال تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7].
فان الرسالة تتعلق واحكام الظاهر والنبوة تتعلق باحوال الباطن فللعوام شركة مع الخواص فى الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة فمن ادى حقوق احكام الرسالة فى الظاهر يفتتح له بها احوال النبوة فى الباطن من مقام تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الاشارات والالهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية وربما يؤول حاله الى ان يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة ولعله يصير مأمورا بدعوة الخلق الى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال عليه السلام
"علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل"
. يشير الى هذا القوم وذلك أن المتقدمين من بنى اسرائيل فى زمن الانبياء عليهم السلام لما وصلوا الى مقام الانبياء اعطوا النبوة والله اعلم وكانوا مقررين لدين رسولهم حاكمين بالكتب المنزلة على رسلهم فكذلك هذا المقام كما قال تعالى { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا } [السجدة: 24] الآية واما اتباعه فى مقام اميته صلى الله عليه وسلم فذلك مخصوص باخص الخواص من متابعيه وهو انه صلى الله عليه وسلم رجع من مقام بشريته الى مقام روحانيته الاولى ثم بجذبات الوحى انزل فى مقام التوحيد ثم اختطف بانوار الهوية عن انانيته الى مقام الوحدة كما قال تعالى { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد } [الكهف: 110] وكما قال { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } [النجم: 8-9].
فقاب قوسين عبارة عن مقام التوحيد واوادنى عن مقام الوحدة تفهم ان شاء الله تعالى فمن رجع بالسير فى متابعته من مقام البشرية الى ان بلغ مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة انزل فى مقام التوحيد ثم اختطف بانوار المتابعة عن انانيته الى مقام الوحدة فقد حظى بمقام اميته صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى {الذين يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل} يشير الى انه مكتوب عندهم والا فهو مكنون عنده مقعد صدق {يأمرهم بالمعروف} وهو طلب الحق والنيل اليه {وينهيهم عن المنكر} وهو طلب ما سواه والانقطاع عنه {ويحل لهم الطيبات} اى القربات الى الله وان الطيب هو الله {ويحرم عليهم الخبائث} وهى الدنيا وما يباعدهم عن الله {ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم} يعنى اصرهم من العهد الذى كان بين الله تعالى وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم بان لا يصل احد الى مقام اميته وحبيبته الا امته واهل شفاعته بتبعيته كما قال تعالى
{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } [آل عمران: 31]. الآية وقال عليه السلام "الناس يحتاجون الى شفاعتى حتى ابراهيم"
. فكان من هذا العهد عليهم شدة واغلال تمنعهم من الوصول الى هذا المقام فقد وضع النبى عليه السلام عنهم هذا الاصر والاغلال بالدعوة الى متابعته ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه} اى وقروه باختصاص هذا المقام فانه مخصوص به من بين سائر الانبياء والرسل ونصروه بالمتابعة {واتبعوا النور الذى انزل معه} يعنى حين اختطف بانوار الهوية عن انانيته فاستفاد نور الوحدة قلم يبق من ظلمة انانيته شئ وكان نورا صرفا فلما ارسل الى الخلق انزل معه نور الوحدة كما قال تعالى { قد جاءكم من الله نور } [المائدة: 15].
يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وكتاب مبين يعنى القرآن فامروا بمتابعة هذا النور ليقتبسوا منه نور الوحدة فيفوزوا بالسعادة الكبرى والنعمة العظمى {أولئك هم المفلحون} فى حجب الانانية الفائزون بنور الوحدة كذا فى التأويلات النجمية.