التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
٢٠١
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ
٢٠٢
-الأعراف

روح البيان في تفسير القرآن

{ان الذين اتقوا} اى اتصفوا بوقاية انفسهم عما يضرها {اذا مسهم طائف من الشيطان} ادنى لمة منه وهى الوسوسة والمس. والطائف اسم فاعل من طاف يطوف اذا دار حول الشئ كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقع بهم او من طاف به الخيال بطيف طيفا اى الم فالطائف بمعنى الجائى والنازل. وفى الصحاح طيف الخيال مجيئه فى النوم وطيف من الشيطان وطائف منه لمم منه والخيال فى الاصل اسم بمعنى التخيل وارتسام الصورة فى محل القوة المتخيلة ويطلق على نفس تلك الصورة وطيفه نزوله فى محل المتخيلة {تذكروا} اى ما امر به ونهى عنه.
وقال المولى ابو السعود اى الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه {فاذا هم} بسبب ذلك التذكر {مبصرون} مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها {واخوانهم} اى اخوان الشياطين وهم المنهمكون فى الغى المعرضون عن وقاية انفسهم عن الضمار فضمير اخوانهم للشيطان والجمع لكون المراد به الجنس {يمدونهم فى الغى} اى يكون الشياطين مددا لهم فيه ويعضدونهم بالتزيين والحمل عليه والغى والضلال {ثم لا يقصرون} اى لا يمسكون عن الاغواء حتى يردونهم بالكلية يقال اقصر عن الشئ اذا كف عنه وانتهى.
فعلى العاقل مباعدة أهل الطغيان ومجانبة وسوسة الشيطان - حكى - ان بعض الاولياء سأل الله تعالى ان يريه كيف يأتى الشيطان ويوسوس فاراه الحق تعالى هيكل الانسان فى صورة بلور وبين كتفيه خال اسود كالعش والوكر فجاء الخناس يتحسس من جميع جوانبه وهو فى صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء من بين الكتفين فادخل خرطومه قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله تعالى فخنس ورآه ولذلك سمى بالخناس لانه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذكر فى القلب ولهذا السر الالهى احتجم صلى الله تعالى عليه وسلم بين كتفيه وامر بذلك ووصاه جبريل بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لنه يجرى وسوسته مجرى الدم ولذلك كان خاتم النبوة بين كتفيه عليه السلام اشارة الى عصمته عليه السلام من وسوسته لقوله عليه السلام
"اعاننى الله عليه فاسلم"
. اى بالختم الالهى ايده به وخصه وشرفه وفضله بالعصمة الكلية فاسلم قرينه وما اسلم قرين آدم فوسوس اليه لذلك.
واعلم ان اصل الخواطر اثنان ما يكون بالقا الملك وما يكون بالقاء الشيطان والفرق ام كل ما يكون سببا للخير بحيث يكون مأمون الغائلة اى الآفة فى العاقبة ولا يكون سريع الانتقال الى غيره ويحصل بعده توجه تام الى الحق ولذة عظيمة مرغبة فى العبادة فهو ملكى وبالعكس شيطانى.
قال بعضهم قد يلبس الشيطان ويرى الباطل فى صورة الحق فاجمع المشايخ على ان من كان قوته من الحرام لا يفرق بين الخواطر الملكية والشيطانية بل منهم من قال من كان قوته غير معلوم لا يفرق بينهما: وفى المثنوى

طفل جان ازشير شيطان بازكن بعد ازانش باملك انباز كن
تاتو تارك وملول وتيره دانكه باديو لعيم همشيره
لقمه كان نور افزود وكمال آن بود آورده از كسب حلال
جون زلقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرادان حرام
زايد ازلقمه حلال اندر دهان ميل خدمت عزم رفتن آن جهان

قال حضرة شيخنا الفريد امده الله بالمزيد فى كتاب اللائحات البرقيات الملك الموكل بامر الله على قلوب اهل الحق يلقى اليهم دائما فاذا مسهم طائف من الشيطان فيذكرهم بذلك الطائف الشيطانى فهم يتذكرون ويبصرون ويمحون والشيطان المتسلط بخذلان الله على صدور اهل الباطل يلقى اليهم الباطل دائما فاذا مسهم طائف من الرحمن فينسيهم ذلك فهم لا يتذكرون ولا يبصرون ولا يمحون فالشان الرحمانى دائما اراءة الحق حقا والباطل باطلا والشان الشيطانى اراءة الحق باطلا والباطل حقا وهذا هو السر والحكمة فى كون عباد الرحمن هادين ومهديين وعباد الشيطان ضالين ومضلين لان الاراءة الاولى هى الهداية بعينها والثانية هى الاضلال بعينه والاضلال لا بد من انه يستلزم الضلال كما ان الهداية لا بد من انها تستلزم الاهتداء انتهى كلامه.
قال فى التاويلات النجمية {إن الذين اتقوا} هم ارباب القلوب والتقوى من شان القلب كما قال عليه الصلاة والسلام
"التقوى ههنا"
. واشار الى صدوره التقوى نور يبصرون به الحق حقا والباطل باطلا فلذا قال {اذا مسهم طائف من الشيطان} اى اذا طاف حول القلب التقى النقى نوع طيف من عمل الشيطان يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيتذكر انه يفسده ويكدر صفاءه ويقيسه فيجتنبه ويحترز منه فذلك قوله {تذكروا فاذا هم مبصرون واخوانهم يمدونهم فى الغى} يعنى النفوس اخوان القلب فان النفس والقلب توأمان ولدا من ازدواج الروح والقالب فالقلب يمد النفس فى الطاعة ولولا ذلك ما صدر من القلب معصية لأنه جبل على الاطمئنان بذكر الله وطاعته {ثم لا يقصرون} لا يسأم كل واحد منهما من فعله ولا يدع ما جبل عليه لئلا يأمن ارباب القلوب من كيد النفوس ابدا ولا يقنط ارباب النفوس المسرفين على انفسهم من رحمة الله من اصلاح احوال قلوبهم.