التفاسير

< >
عرض

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٩
-الأنفال

روح البيان في تفسير القرآن

{اذ} منصوب با ذكر {يقول المنافقون} من اهل المدينة من الاوس والخزرج {والذين فى قلوبهم مرض} من قريش كانوا قد اسلموا ولم يهاجروا لعدم قوة اسلامهم ولمنع اقربائهم اياهم من الهجرة فلما خرجت قريش الى بدر اخرجوهم معهم كرها ولما رأوا قلة عدد المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا لاهل مكة {غر هؤلاء} يعنون المؤمنين {دينهم} اذ خرجوا مع قلة عددهم وعددهم لحرب قريش مع كثرتهم وشوكتهم ولم يشكوا بل قطعوا بان قريشا تغلبهم لانهم زهاء الالف والمؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر فقال الله تعالى جوابا لهم {ومن} [هركه] {يتوكل على الله} اى ومن يسلم امره الى الله تعالى ويثق به وبقضائه {فان الله عزيز} غالب لا يذل من توكل عليه واستجار به وان قل {حكيم} يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول وتحار فى فهمه الباب الفحول -روى- ان الحجاج بن يوسف سمع ملبيا يلبى حول البيت رافعا صوته بالتلبية وكان اذ ذاك بمكة فقال على بالرجل فاتى به اليه فقال ممن الرجل قال من المسلمين فقال ليس عن الاسلام سألتك قال فعمَّ سألت قال سألتك عن البلد قال من اهل اليمن قال كيف تركت محمد بن يوسف يعنى اخاه قال تركته عظيما جسيما لباسا ركابا خراجا ولاجا قال ليس عن هذا سألتك قال سألت قال سألتك عن سيرته قال تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق عاصياً للخالق فقال له الحجاج ما حملك على هذا الكلام وانت تعلم مكانه منى قال الرجل أترى مكانه منك اعز منى بمكانى من الله وانا وافد بيته وزائر نبيه وقاضى دينه ومتبع دينه فسكت الحجاج ولم يجر جوابا وانصرف الرجل من غير اذن فتعلق باستار الكعبة وقال اللهم بك اعوذ وبك الوذ اللهم فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة فانظر الى هذا الرجل كيف اظهر الحق ولم يخف من المخلوق خصوصا من الحجاج الذى كان اظلم خلق الله فى زمانه حتى كسر الاعراض وسفك الدماء وفعل ما فعل الى حيث يضيق نطاق البيان عنه فلما توكل على الله واستجار به نصره الله وهو بانفراده على الحجاج وهو مع جمعه لان الصحيح السالم وهو المؤمن غالب على السقيم المتبلى وهو المنافق والحجاج كان من منافق هذه الامة.
واعلم ان مرض القلوب على نوعين. نوع منه الشك فى الايمان والدين وحقيقته فذلك مرض قلوب الكفار والمنافقين. والثانى ميلها الى الدنيا وشهواتها وملاحظة الحظوظ النفسانية وهو مرض قلوب المسلمين.
والاشارة فيه ان المعالجة لما يكون فى قلوب الكفار والمنافقين بالايمان والتصديق واليقين وان ماتوا فى مرضهم فهم من الهالكين. ومعالجة مرض قلوب المسلمين بالتوبة والاستغفار والزهد والطاعة والورع والتقوى وان ماتوا فى مرضهم فهم من اهل النجاة من النار بعد العذاب وشفاعة الانبياء وربما يؤدى مرصهم بترك المعالجة والاحتماء الى الهلاك وهو الكفر ألا ترى الى حال بعض المسلمين من اهل مكة لما تركوا العلاج وانقطعوا عن الطبيب وهو النبى عليه السلام وما احتموا عن الغذاء المخالف وهو قولهم غرّ هؤلاء دينهم هلكوا من الهالكين ظاهرا وباطنا.
فعلى العاقل تحصيل حسن الحال قبل حلول الاجل وهو انما يكون بصحبة واصل الى الله عز وجل والله تعالى يجود على الخلق عامة فكيف على العقلاء والعشاق: قال الحافظ

عاشق كه شدكه يار بحالش نظر نكرد اى خواجه دردنيست وكرنه طبيب هست

وقال آخر

مكو اصحاب دل رفتند وشهر عشق شد خالى جهان برشمس تبريزاست ومردى كوجو مولانا

اللهم وفقنا لما تحب وترضى وسهل علينا مداواة هذه القلوب المرضى