التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ
٤٦
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ
٤٧
-التوبة

روح البيان في تفسير القرآن

{ولو ارادوا الخروج} يدل على ان بعضهم قالوا عند الاعتذار كنا نريد الخروج لكن لم نتهيأ له وقد قرب الرحيل بحيث لا يمكننا فكذبهم الله وقال لو ارادوا الخروج معك الى العدو فى غزوة تبوك {لأعدوا له} اى للخروج فى وقته {عدة} اى اهبة من الزاد والراحلة والسلاح وغير ذلك مما لا بد منه للسفر {ولكن كره الله انبعاثهم} ولكن ما ارادوه لما انه تعالى كره نهوضهم للخروج لما فيه من المفاسد الآتيه. والانبعاث [برانكيخته شدن] كما فى التاج فلكن للاستدراك من المقدم.
وفى حواشى سعدى جلبى الظاهر ان لكن ههنا للتأكيد انتهى {فثبطهم} اى حبسهم بالجبن والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له والتثبيط صرف الانسان عن الفعل الذى يهم بهم {وقيل اقعدوا مع القاعدين} الذين شأنهم القعود وملازمة البيوت وهم الزمنى والمرضى والعميان والنساء والصبيان ففيه ذم لهم وظاهره يخالف قوله تعالى
{ انفروا خفافا وثقالا } [التوبة: 41].
فلذا حملوه على التمثيل بان يشبه القاء الله تعالى فى قلوبهم كراهة الخروج بامر امر امرهم بالقعود ثم بين سر كراهته تعالى لانبعاثهم فقال {لو خرجوا فيكم} [درميان شما] اى مخالطين لكم {ما زادوكم} اى ما اورثوكم شيئاً من الاشياء {الا خبالا} اى فسادا وشرا كالتجبين وتهويل امر الكفار والسعى للمؤمنين بالنميمة وافساد ذات البين واغراء بعضهم على بعض وتحسين الامر لبعضهم وتقبيحه للبعض الآخر ليتخلفوا وتفترق كلمتهم فهو استثناء مفرغ من اعم العام الذى هو الشئ فلا يلزم ان يكون فى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال وفساد ويزيد المنافقون ذلك الفساد بخروجهم فيما بينهم لان الزيادة المستثناة انما هى الزيادة بالنسبة الى اعم العام لا بالنسبة الى ما كان فيهم من القبائح والمنكرات.
وفى البحر قد كان فى هذه الغزوة منافقون كثير ولهم لا شك خبال فلو خرج هؤلاء لالتأموا فزاد الخبال انتهى {ولأوضعوا خلالكم} اى لسعوا بينكم واسرعوا بالقاء ما يهيج العداوة او ما يؤدى الى الانهزام. ولا يضاع تهييج المركوب وحمله على الاسراع من قولهم وضع البعير وضعا اذا اسرع واوضعته انا اذا حملته على الاسراع. والمعنى لأوضعوا ركائبهم بينكم على حذف المفعول والمراد به المبالغة فى الاسراع بالنمائم لان الراكب اسرع من الماشى. والخلال جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين وهو بمعنى بينكم منصوب على انه ظرف اوضعوا {يبغونكم الفتنة} حال من فاعل اوضعوا اى حال كونهم باغين اى طالبين الفتنة لكم وهى افتراق الكلمة {وفيكم} [ودرميان شما] {سماعون لهم} اى نمامون يسمعون حديثكم لاجل نقله اليهم فاللام للتعليل او فيكم قوم ضعفة يسمعون للمنافقين اى يطيعونهم فاللام لتقوية العمل لكون العامل فرعا كقوله تعالى
{ فعال لما يريد } [البروج: 16].
{والله عليم بالظالمين} علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم وما فعلوا فيما مضى وما يأتى منهم فيما سيأتى وهو شامل للفريقين السماعين والقاعدين