التفاسير

< >
عرض

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
١٢
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
-هود

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فلعلك تارك بعضَ ما يُوحى إليك}، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يترك شيئاً من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار.
ثم قال له: {وضائق به صدرُكَ}؛ أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة {أن يقول لولا أُنزل عليه كنز} ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، {أو جاء معه ملكٌ} يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يُبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: {ضائق}؛ ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. {إنما أنت نذير} ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. {والله تعالى على كل شيء وكيل} فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم.
{أَمْ}؛ بل {يقولون افتراه} أي: ما يوحى إليه، {قل} لهم: {فأتوا بعشر سُورٍ مثِلهِ} في البيان وحسن النظم. تحداهم أولاً بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. {مُفتريات}؛ مختلفات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي؛ فإنكم عرب فصحاء مثلي. {وادعوا من استطعتم من دون الله} للمعاونه على المعارضة، {إن كنتم صادقين} أنه مفترى. {فإن لم يستجيبوا لكم}؛ فإن عجزوا عن الإتيان، {فاعلموا} أيها الرسول المؤمنون {إنما أُنزل بعلم الله}؛ بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقيناً فيه.
قال البيضاوي: وجمع الضمير؛ إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول ـ عليه الصلا ة والسلام ـ متناولاً لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: {فاعلموا أنما أُنزل بعلم الله}؛ ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. {وأن لا إله إلا هو}؛ لظهور عجز آلهتهم. {فهل أنتم مسلمون}؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً.
ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين، والضمير في {يستجيبوا} لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، {فاعلموا} أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ؛ لما فيه معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. هـ. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم؛ من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، {فهل أنتم مسلمون}؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله
: { { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [المائدة: 91]. هـ.
الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، ومخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير
: { { وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُور } [لقمان: 17]، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيء وكيل: فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم.
ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}.