التفاسير

< >
عرض

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ
١٠٢
وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
١٠٣
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
١٠٤
وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
١٠٥
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ
١٠٦
أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
١٠٧
-يوسف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (ذلك): مبتدأ، و(من أنباء الغيب): خبر. و(نوحيه): حال.
يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو {من أنباء} أخبار {الغيب} التي لم يكن لك بها علم، وإنما عَلِمْتَه بالوحي الذي {نُوحيه إليك} فأخبرتهم به. {وما كنت لديهم} أي: وما حضرت عندهم، {إذ أجمعوا أمرَهم}: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غَيَِابَةِ الجب، {وهم يمكرون} به، وبأبيه؛ ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا؛ {وما أكثرُ الناس ولو حرصْتَ} على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، {بمؤمنين}؛ لعنادهم وتصميمهم على الكفر، {وما تسألُهم عليه} على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، {من أجرٍ}؛ كما يفعله حملة الأخبار من الأحْبار. {إن هو إلا ذِكْرٌ}: عظة من الله، {للعالمين} من الجن والإنس.
{وكأيّنَ}: كثيراً {من آية في السماوات والأرضِ} الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، {يَمرُّونَ عليها} ويشاهدونها، {وهم عنها مُعْرِضُون}: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. {وما يؤمن أكثرُهُم بالله} أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزّاق المميت. {إلا وهم مشركون} بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. {أفأمنوا أن تأتيهم غاشيةٌ}: عقوبة تغشاهم وتشملهم، {من عذاب الله} المرسل على الأمم المتقدمة، {أو تأتيهم الساعةُ بغتهً}: فجأة، {وهم لا يشعرون} بإتيانها، غير مستعدين لها.
الإشارة: قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية؛ لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان؛ قال تعالى:
{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: {وما تسألهم عليه من أجر}. وقوله تعالى: {وكأيِّن من آية...} الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار؛ فإن الحق ـ جل جلاله ـ ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها؛ تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها. قال: ولنا في هذا المعنى:

ما أثبتَ لَكَ المعالم إلا لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا
فَارْقَ عَنهَا رُقِيَ منْ لَيْس يَرضَى حَالةً دُون أن يرى مَولاهَا. هـ.

وقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين.
ثم أوضح طريقهم، فقال: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ}.