التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً
٩٦
-مريم

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: لما استحقر الكفرةُ أحوالَ المؤمنين حتى قالوا: {أينا خير مقامًا وأحسن نديًّا}، أخبر الله تعالى المؤمنين وبشرهم أنهم سيعزهم ويلقى مودتهم في قلوب عباده.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ لهم الرحمن} في قلوب الناس مودة وعطفًا، حتى يحبهم كل من سمع بهم، فيحبهم ويحببهم إلى عباده من أهل السماوات والأرض، أي: سيحدث لهم في القلوب مودةً من غير تعرض لأسبابها، سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح، أو {وُدًّا} فيما بينهم، فيتحابون ويتواددون ويحبهم الله.
قال القشيري: يجعل في قلوبهم ودًّا لله، وهو نتيجة أعمالهم الخالصة، وفي الخبر: "لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه". والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لِمَا أنَّ الموعود من آثارها، وأن مودتهم رحمة بهم وبمن أحبهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ رضي الله عنه:
"قل اللهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدكَ عَهْدًا، واجعل لِي في صُدُورِ المؤمِنِينَ مَوَدَّةً" فنزلت الآية. وفي حديث البخاري وغيره: "إِذا أحَبَّ اللهُ عبدًا قال لجبْريل: إني أُحبُ فُلانًا فأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جَبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادي في أَهْلِ السَّماءِ إنَّ اللهَ قَدْ أحَبَّ فُلانًا فأَحبُّوهُ، فَيُحبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضع لَهُ المحبة فِي الأرْض" .
وقال قتادة: {سيجعل لهم الرحمن ودًا} قال: أي والله ودًا في قلوب أهل الإيمان. وإن هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبدٌ بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. قلت: ولفظ الحديث: "ما أقْبَلَ عبدٌ بقلْبهِ إلى اللهِ عزّ وجلّ إلا جَعلَ الله قلوبَ المؤمنينَ تَفِدُ إليه بالودِّ والرحمَةِ، وكان الله إليه بكل خيرٍ أسرَعَ" . نقله في الترغيب. وفي حديث آخر: "يُعطى المؤمنُ ودًّا في صدور الأبرار، ومهابة في صدور الفجار" . فَتَوَدُّد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه. أنتم شهداء الله في أرضه. وفي بعض الأثر: "لا يموت العبد الصالح حتى يملأ مسامعه مما يُحب، ولا يموت الفاجر حتى يملأ مسامعه مما يكره". بالمعنى.
وأتى الحقّ جلّ جلاله بالسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا إذ ذلك ممقوتين عند الكفرة، فوعدهم ذلك، ثم أنجزه لهم حين جاء الإسلام، فعَزوا وانتصروا، وتعشقت إليهم قلوب الخلق من كل جانب، كما هو مسطر في تواريخهم. وقيل: الموعود في القيامة، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد كأنها أنوار الشمس الضاحية، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما لهم من الكرامات السنية؛ لأن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد. والله تعالى أعلم.
الإشارة: سُنَّة الله تعالى في أوليائه، في حال بدايتهم، أن يُسلط عليهم الخلق، وينزل عليهم الخمول والذل بين عباده، حتى يمقتهم أقرب الناس إليهم، رحمة بهم واعتناء بقلوبهم؛ لئلا تسكن إلى غيره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا... الخ. فإذا تطهروا من البقايا وكملت فيهم المزايا، وتمكنوا من معرفة الحق، أعزهم وألقى مودتهم في قلوب عباده، هذا دأبه معهم في الغالب، وقد يحكم على بعضهم بالخمول حتى يلقاه على ذلك، ولا يكون ذلك نقصًا في حقه بل كمالاً، وهم شهداء الملكوت، لم يأخذوا من أجرهم شيئًا. والله تعالى أعلم.
ولما ختم السورة الكريمة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغها