التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
١٤
ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
١٦
-البقرة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: اللقاء: المصادفة بلا قصد، والخلو بالشيء أو معه: الانفراد به، ضمنه هنا معنى رجع، ولذلك تعدَّى بإلى، و(الشيطان) فَيْعَالٌ، من شَطَنَ، إذا بعد، أو فَعْلاَن من شاط، إذا بطل، والاستهزاء بالشيء: الاستخفاف بحقه، والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر.
يقول الحقّ جلّ جلاله: في وصف المنافقين تقريراً لنفاقهم: إنهم كانوا {إذَا لَقُوا} الصحابة أظهروا الإيمان، وإذا رجعوا {إلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان، {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} لم نخرج عن ديننا {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بهم، ومستسخرون بشأنهم، نزلت في عبد الله بن أُبَيّ - رأس المنافقين - كان إذا لقي سعداً قال: نعم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر، شدوا أيديكم على دين آبائكم.
وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - فقال عبدُ الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحباً بالصدِّيق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عَلِيّ؛ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخِتِنِه، سيد بني هاشم، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليّ رضي الله عنه: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شرُّ خليقة الله، فقال عبد الله: مهلاً يا أبا الحسن، أنى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية.
ثم ردّ الله تعالى عليهم فقال: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي: يفعل بهم فعل المستهزئ؛ بأن يفتح لهم باباً إلى الجنة وهم في النار، ويطلع المؤمنين عليهم، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول، سُدَّتْ عليهم ورجعوا إلى النار،
{ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } [المطفّفِين: 34] الآية.
{وَيَمُدُّهُمْ} أي: يمهلهم {فِي} كفرهم، و {طُغْيَانِهِمْ} يتحيرون إلى يوم يبعثون؛ لأنهم {اشْتَرُوا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} أي: استبدلوا بها رأس مالهم، فضلاً عن الربح، إذ الإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح؛ ولذلك قال تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ}، بل خسرت صفقتهم، {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إلى أسباب الربح أبداً، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق.
وها هنا استعارات وبلاغات يطول سردها، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين.
الإشارة: الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام:
قسم: سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية: فصدقوا ودخلوا فيها، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فَتَجِرُوا فيه وربحوا، فعوّضهم الله تعالى جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاءوا، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف، يسرحون فيها حيث شاءوا، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم.
وقسم: سبقت لهم من الله الهداية، وحفتهم الرعاية، فصدقوا وأقروا، ولكنهم ضعفوا عن الدخول، ولم تتعلق همتهم بالوصول، فبقوا في ضعفاء المسلمين
{ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ... } [التّوبَة: 91].
وقسم: أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا، فتجروا وخسروا، "مَنْ عَادَى لي وَلِياً فقَد آذنْتُهُ بالْحَربِ".
وقسم رابع: هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا: آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا، وقالوا: إنما كنا بهم مستهزئين، {الله يستهزئ بهم} بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات، وطلب العلو والرئاسات، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات، {أولئك الذي اشتروا الضلالة} عن طريق الخصوص من أهل الوصول، {بالهدى} الذي كان بيدهم، لو حصل لهم التصديق والدخول، فما ربحوا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول. قال بعض العارفين: (التصديق بطريقتنا ولاية، والدخول فيها عناية، والانتقاد عليها جناية). وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.