التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
٢٣
فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ
٢٥
قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
٢٦
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ
٢٧
فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٢٨
وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ
٢٩
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
٣٠
-المؤمنون

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال: لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله: (اصنع الفلك)، وأيضاً: هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها: (إنه لا يفلح الكافرون)، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره. هـ. (وإن كنا لمبتلين): "إنْ": مخففة، واسمها: ضمير الشأن، واللام فارقة.
يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا}: وتالله لقد أرسلنا {نوحاً إلى قومه}، وقد مرّ في الأعراف نسبه وكيفية بعثته، {فقال} لقومه حين أُرسل إليهم، متعطفاً عليهم، ومستميلاً لهم إلى الحق: {يا قوم اعبدوا الله} وحده؛ إذ العبادة مع الإشراك لا عبرة بها، فلذلك لم يقيدها هنا، وقيدها في هود، بقوله:
{ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّه } َ} [هود: 26] {ما لكم من إلهٍ غيرهُ} أي: ما لكم من الوجود إله يستحق أن يُعبد غيره، فالرفع على المحل، والجر على اللفظ. {أفلا تتقون}؛ أفلا تخافون عقوبة الله، الذي هو ربكم وخالقكم، إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء، أو: أفلا تخافون عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه، كما يُفصح عنه قوله تعالى: { إِنِّىِۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الأعراف: 59].
{فقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي: أشرافهم لعوامهم: {ما هذا إلا بشرٌ مثلكُم} في الجنس والوصف، يأكل ويشرب مثلكم، من غير فرق بينكم وبينه، {يُريد أن يتفضَّل عليكم} أي: يطلب الفضل عليكم، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحَجَر، ولم يرضوا بنبوة البشر. ثم قالوا: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي: لو شاء الله إرسال الرسل لأرسل رسلاً من الملائكة. وإنما قال: لأنزل ولم يقل: لأرسل؛ لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإنزال، أي: لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا، {ما سمعنا بهذا} أي بمثل هذا الكلام، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، أو: ما سمعنا بأنَّ البشر يكون رسولاً، أو بمثل نوح عليه السلام في دعوى النبوة، {في آبائنا الأولين} أي: الماضين قبل بعثة نوح عليه السلام، وإنما قالوا ذلك؛ إما من فرط عنادهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة، وقيل: معناه: ما سمعنا به أنه نبي، {إنْ هو} أي: ما هو {إلا رجل به جِنَّةٌ} أي جنون، أو جن يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول: {فتربصوا به حتى حين} أي: انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه.
{قال ربّ انصرني بما كذَّبونِ}، لمَّا أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام، بعدما سمع هذه الأباطيل؟ فقيل: قال، لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب، وتمادوا في الغواية والضلال، حتى أيس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن: {رب انصرني} بإهلاكهم بالمرة، فهو حكاية إجمالية لقوله:
{ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26]. {بما كذَّبون}؛ بسبب تكذيبهم إياي، أو بدل تكذيبهم، كقولك: هذا بذاك، أي: بدل ذاك, والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلَوة النصر عليهم.
{فأوحينا إليه}؛ أجبنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك {أَنِ اصنعِ الفُلكَ بأعيننا} أي: ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم: عليه من الله عيون كالئة، {ووَحْينا} أي: أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي: أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر. وفي القاموس جُؤجؤ - كَهُدْهُد-: الصدرُ. {فإذا جاء أَمْرُنا} أي: عذابنا بأمرنا، {وفار التنُّور} أي: فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق؛ ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار. رُوي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور؛ فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور؛ أخبرته امرأته، فركب، وكان التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة. واختلف في مكانه، فقيل: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل: بالشام، وقيل: بالهند.
فإذا فار {فاسْلُكْ فيها}: فَأَدْخِلْ في السفينة {من كل زوجين اثنين}؛ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى. قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والدود والزباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير. هـ. {و} احمل في السفينة {أهلَك}؛ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، {إلا من سبق عليه القولُ منهم} أي: القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى؛ لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 101]، { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } [الصافات: 171]؛ لكونه نافعاً، ونحوه: { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } [البقرة: 286]، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} أي: لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة؛ لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه عليه السلام ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم؛ شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك.
ثم قال له: {فإِذا استويتَ أنت ومن معك على الفُلْك}؛ فإذا تمكنتم عليها راكبين {فقل الحمد لله الذي نجَّانا من القوم الظالمين}، أُمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم على طريق:
{ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الأنعام: 45]. ولم يقل: فقولوا، وإن كان أهله ومن معه قد استووا معه؛ لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولَهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة.
{وقل ربِّ أنزلني} في السفينة، أو منها {مُنْزَلاً مباركاً} أي: إنزالاً مباركاً، أو موضع إنزال يستتبع خيراً كثيراً، {وأنت خير المُنزِلين}؛ خير من ينزل في كل خير، أُمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى، توسلاً به إلى إجابة دعائه، فالبركة في السفينة: النجاة فيها، وبعد الخروج منها: كثرة النسل وتتابع الخيرات، {إِنَّ في ذلك} فيما فعل بنوح وقومه {لآياتِ}: لعبراً ومواعظ، {وإن كنا} أي: وإن الشأن والقصة كنا {لمبتلين}: مُصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله:
{ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } [القمر: 15]. والله تعالى أعلم.
الإشارة: تقدمت إشارة هذه القصة مراراً بتكررها، وفيها تسلية لمن أوذي من الأولياء بقول قبيح أو فعل ذميم. وقال القشيري في قوله: {وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً}: الإنزال المبارك: أن تكون بالله ولله على شهود الله، من غير غفلة عن الله، ولا مخالفة لأمر الله. هـ.
ثمَّ ذكر قصة هودٍِ أو صالح