التفاسير

< >
عرض

لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ
١٢
لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٣
-النور

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: قال ابن هشام: وقد يلي حرف التخصيص اسم معلق بفعل، إما بمضمر، نحو: "فهَلاَّ بكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك" أي: فهلا تزوجت، أو مؤخراً نحو: (لولا إذ سمعتموه قلتم..) أي: فهلا قلتم إذ سمعتموه. هـ. وإليه أشار في الخلاصة بقوله:

وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلِ مُضْمَرِعُلِّقَ أَوْ بِظاَهِرٍ مُؤَخَّرِ

يقول الحق جل جلاله: {لولا إذْ سمعتموه} أي: الإفك {ظنَّ المؤمنون والمؤمناتُ بأنفسهم خيراً} بالذين هم منهم؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله: { وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } [الحجرات: 11] أي: هلا ظنوا بإخوانهم خيراً: عَفَافاً وصلاحاً، وذلك نحو ما يُروى عن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا قاطع بكذب المنافقين؛ لأن الله تعالى عصمك عن وقوع الذباب على جلدك، لئلا يقع على النجاسات فَتُلَطَّخَ بها، فإذا عصمك من ذلك فكيف لا يعصمك من صحبة من تكون ملطخة بهذه الفاحشة)‍‍!. وقال عثمان رضي الله عنه: (ما أوقع ظلك على الأرض؛ لئلا يضع إنسان قدمه عليه؛ فلَمَّا لم يُمكِّن أحداً من وضع القدم على ظلك، فكيف يُمكِّن أحداً من تلويث عرض زوجتك!).
وكذا قال عليّ رضي الله عنه: (إن جبريل أخبرك أنَّ على نَعْلِك قذراً، وأمرك بإخراج النعل عن رجلك، بسبب ما التصق به من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها، على تقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش)؟ قال النسفي.
وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته: ألا ترين ما يقال في عائشة؟ فقالت: لو كُنْتَ بدل صفوان أَكُنْتَ تخُون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، قالت: ولو كنتُ أنا بدل عائشة مَا خُنْتُ رسول الله، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك. وفي رواية ابن إسحاق: قالت زوجة أبي أيوب لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أَكُنْتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، فقال: عائشة خير منك، سبحان الله، هذا بهتان عظيم، فنزل: {لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ}... الآية.
وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيراً، وقلتم؛ ليبالغ في التوبيخ بطرق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن المؤمن لا يسيء الظن بأحد من المؤمنين.
{وقالوا} عند سماع هذه الفرية: {هذا إفكٌ مبين}؛ كذب ظاهر لا يليق بمنصب الصدّيقة بنت الصدّيق. {لولا جاؤوا عليه بأربعةِ شهداءَ}؛ هلاَّ جاء الخائضون بأربعة شهداء على ما قالوا {فإِذْ لم يأتوا بالشهداءَ}، ولم يقل: "بهم"؛ لزيادة التقرير، {فأولئك} الخائضون {عند الله} أي: في حُكمه وشرعه {هم الكاذبون}؛ الكاملون في الكذب، المستحقون لإطلاق هذا الاسم عليهم دون غيرهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: حُسن الظن بعباد الله من أفضل الخصال عند الله، ولا سيما ما فيه حرمة من حُرَم الله. قال القشيري على الآية: عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وتَرْكِ الإعراضِ عن حُرمة بيت نبيهم. ثم قال: وسبيلُ المؤمن ألا يستصغر في الوفاق طاعة، ولا في الخلاف زَلَّةً، فإِنَّ تعظيمَ الأمْرِ بتعظيم الآمرِ، وإن الله لينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه، ولا سيما ما تعلق به حق الرسول - عليه الصلاة والسلام - فذلك أعظم عند الله، ولذلك بالغ في التوبيخ على ما أقدموا عليه، مما تأذى به الرسول، وقلوب آل الصدِّيق، وقلوب المخلصين من المؤمنين. هـ.
ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...}