التفاسير

< >
عرض

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً
١
ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
٢
-الفرقان

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {تبارك} أي: تكاثر خيره وتزايد، أو: دام واتصل. وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله، والمستعمل منها الماضي فقط، والتفاعل فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، التي من جملتها: تنزيل القرآن، المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية، أي:تعاظم {الذي نَزَّلَ الفرقانَ} أي: القرآن، مصدر فرق بين اثنين، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن؛ لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو: لأنه لم ينزل جملة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين أجزائه شيئاً فشيئاً، ألا ترى إلى قوله: { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } [الإسراء: 106].
أنزله {على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده - عليه الصلاة والسلام - بذلك العنوان؛ لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسل لا يكون إلا عبداً للمُرسل؛ رداً على النصارى. أنزله {ليكون} العبد المنزل عليه، أو الفرقان {للعالمين} من الثقلين، زاد بعضهم: والملائكة, أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسرار، وقيل: حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام - وهذا كله داخل في العالمين؛ لأن ما سوى الله كله عالم؛ كما تقدم في الفاتحة. وعموم الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -. {نذيراً} أي: مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير؛ لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم.
{الذي له مُلكُ السموات والأرضِ} أي: له، خاصةً، دون غيره، لا استقلالاً ولا اشتراكاً. فالقهرية لازمة لهما، المستلزمة للقدرة التامة والتصرف الكلي، إيجاداً وإعداماً، وإحياءً وإماتةً، وأمراً ونهياً، {ولم يتخذ ولداً} كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح - عليهما السلام -، {ولم يكن له شريك في المُلْك} كما زعمت الثنوية القائلون بتعدد الآلهة، والرد في نحورهم.
{وخَلَقَ كلَّ شيء} أي: أحدث كل شيء وحده، لا كما تقول المجوس والثنوية من النور والظلمة. أي: أظهر كل شيء {فقدَّره} أي: فهيأه لِمَا أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به، {تقديراً} بديعاً، لا يقادر قدره، ولا يُبلغ كنهه؛ كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك، والنظر والتدبير في أمور المعاش والمعاد، واستنباط الصنائع المتنوعة، والدلائل المختلفة، على وجود الصانع. أو: فقدَّره للبقاء إلى أبد معلوم. وأيّاً ما كان، فالجملة تعليل لما قبلها، فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ذلك الشكل البديع والنظام الرائق، وكل ما سواه تحت قهره وسلطانه، كيف يتوهم أنه ولد الله سبحانه، أو شريكٌ له في ملكه. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الإشارة: عبّر بالعبودية في التنزيل والإسراء؛ إشارة إلى أن كل من تحقق بالعبودية الكاملة له حفظ من تنزيل الفرقان على قلبه، حتى يفرق بين الحق والباطل، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت، حتى يعاين عجائب أسرار ربه. وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم، ومن العروج بروحهم، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم، حتى يكون مع مراده، لا مع مرادهم، لا يريدون إلا ما أراد، ولا يشتهون إلا ما يقضي، قد تحرروا من رقِّ الأشياء، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء، يُعرج بأرواحهم، ويُوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به من الحق والباطل، ليكونوا نُذراً لعالمي زمانه؛ قال تعالى:
{ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر: 24]. وبالله التوفيق.
ثم ردّ على أهل الشرك، فقال: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً...}