التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
٤٥
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٤٦
-الزمر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: "وحده": منصوب عند سيبويه، على المصدر، وعند الفراء: على الحال، والظاهر: أنه أطلق المصدر على اسمه.
يقول الحق جلّ جلاله: { وإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ } أي: إذا أُفرد الله بالذكر، ولم تُذكر معه آلهتهم، فمدار المعنى على قوله: { وحده }، { اشْمَأَزَّتْ قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: انقبضت ونفرت، كقوله:
{ { ... وإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } [الإسراء: 46]، { وإِذا ذُكر الذين مِن دونه } يعني: آلهتهم، ذُكر اللهُ معهم، أو لم يُذكر، { إِذا هم يستبشرون }؛ لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم ذكر الله، أو: وإذا قيل لهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نفروا؛ لأن فيه نفياً لآلهتهم.
وقال الورتجبي: صورة الآية وقعت على الجاحدين والمتكبرين، الذين ليس في محبتهم إلا متابعة الأشكال والأمثال، من حيث التشبيه والخيال؛ لأن قلوبهم خلقت على مشاكلة الأضداد والأنداد، ولم يكن في قلوبهم سجية أهل المعرفة بالله، فإذا سَمِعُوا ذِكْر مَن لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت قلوبهم وصدورهم، ونفرت، وإذا سمعوا ذكر غير الله من الصور والأشباح، سكنت نفوسهم إليها من غاية غباوتهم، وكمال جهالتهم، فهم مثل الصبيان، إذ هم يفرحون بالأفراس الطينية والأُسد الخشبية، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عَدْوِ العاديات، وإلى الضراغم الباديات... هـ. مختصراً.
ولقد بالغ في بيان حالتيهم المتقابلتين؛ حيث ذكر الغاية فيهما، فإن الاستبشار: هو أن يمتلىء القلب سروراً، حتى تنبسط له بشرة الوجه وتتهلل، والاشمئزاز: أن يمتلىء القلب غيظاً وغمّاً، حتى ينقبض منه أديم الوجه، فتظهر عليه الكآبة والحزن. والعامل في { إِذا } الأولى: "اشمأزت"، وفي الثانية: ما هو العامل في "إذا" الفجائية، والتقدير: وقت ذكر الذين من دونه فاجأوا وقت الاستبشار.
ثم أمر نبيه بالالتجاء إليه حين إدبارهم، فقال: { قُلِ اللهمَّ فاطِرَ السماواتِ والأرضِ } أي: يا فاطر، وليس بوصف، خلافاً للفراء والمبرّد، أي: اللهم يا مظهر السماوات والأرض، { عالِمَ الغيبِ والشهادةِ } أي: ما غاب من أسرار ذاتك وما ظهر، أو: السر والعلانية، أي: التجىء إليه تعالى إذا اغتممت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد؛ فإنه القادر على الأشياء بجملتها، والعالم بالأحوال برمتها. { أنت تَحْكُمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } أي: حُكماً يُسلمه كل مكابر ومعاند، ويخضع له كلَّ عاتٍ ومارد، فاحكم بيني وبين معاندي، بالنصر عليهم في الدنيا والآخرة.
وعن ابن المسيّب: "ما أعرفُ آية قرئت فدعى عندها إلا أجيب سوى هذه". يعني أنه صلى الله عليه وسلم دعا الله أن يحكم بينه وبين عدوه بالاستئصال، فأمهل؛ لأنه رحمة. وعن الربيع بن خثيم ـ وكان قليل الكلام ـ: أنه أُخبر بقتل الحسين رضي الله عنه، وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال: أَوَقد فعلوا؟ وقرأ: { اللهم فاطر السماوات والأرض } ... الآية، ثم قال على إثرها: قُتِل مَن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلسه في حجره، ويُقبِّل فاه. هـ.
الإشارة: ينبغي للمؤمن أن يكون متعاكساً مع المشرك، إذا سمع كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" فرح وانبسط، وإذا ذكر اللغو واللعب اشمأز وانقبض، والعابد أو الزاهد إذا سَمِعَ ما يدل على الطاعة والاستعداد للآخرة فرح ونشط، وإذا سمع ما يدلّ على الدنيا والبطالة اشمأز وانقبض، والمريد السائر، إذا سمع ما يقرب إلى الله فرح وانبسط، وإذا سمع ما يُبعد عنه من ذكره السِّوى اشمأز وانقبض، وأما الواصل الكامل فلا ينقبض من شيء؛ لزيادته إلى الله بكل شيء؛ لأنه عرف الله في كل شيء، وسمع منه في كل شيء، فلا يحجبه عن الله شيء، قد فنيت دائرة حسه، واتسعت دائرة معرفته، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيبَ منه شيء.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: في بعض كتب الله المنزلة على أنبيائه، يقول الله تعالى: مَن أطاعني في كل شيء، بهجرانه لكل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلى له دون كل شيء، حتى يراني أقرب إليه من كل شيء. هذه طريق أُولى، وهي طريق السالكين. وطريق أخرى كبرى: مَن أطاعني في كل شيء، بإقباله علي كل شيء، لحسن إرادة مولاه في كل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلّى له في كل شيء، حتى يراني كأني كل شيء. هـ.
ثم ذكر وبال الشرك، فقال: { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً }.