التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً
٥٤
فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
٥٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً
٥٦
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً
٥٧
-النساء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {أم} بمعنى بل، و {سعيرًا} تمييز.
يقول الحقّ جلّ جلاله: توبيخًا لليهود على الحسد: {أم يحسدون الناس}، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، {على ما آتاهم الله من فضله}، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا ـ لعنهم الله ـ: ما له همٌّ إلا النساء ولو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فكَّذبهم الله ـ تعالى ـ وردَّ عليهم بقوله: {فقد آتينا آل إبراهيم} وهم: يوسف وداود وسليمان، {الكتاب والحكمة} أي: النبوّة، {وآتيناهم مُلكّاً عظيمًا}. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان ـ عليه السلام ـ ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، ـ أي بالمهرـ وسبعمائة سرية، فقال لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا.
{فمنهم} أي: اليهود، {من آمن به} أي: بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كعبد الله بن سلام وأصحابة، {ومنهم من صدّ عنه} أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، {ومنهم من صدّ عنه}، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يُوهن كفرُ هؤلاء أمرَك، أو: من أسلافهم من آمن بما أُوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والمُلك، {ومنهم مَن صدّ عنه}، كما فعلوا مع سليمان وغيره. {وكفى بجهنم سعيرًا} لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يُعاجَلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم.
ثم بيَّن مآل من كفر، فقال: {إن الذين كفروا بآياتنا} المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، {سوف نصليهم نارًا} أي: نحرقهم بها ونشويهم، {كلما نضجت جلودهم} أي: لانت واحترقت {بدّلناهم جلودًا غيرها}، قال صلى الله عليه وسلم:
" "تُبدَّلُ في ساعةٍ مائةَ مَرَّة" . وقال الحسن: ( تأكلهم النارُ في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا). وقال مجاهد: ( ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة ـ أي حركة ـ وهرير كجلبة حمر الوحش). رَوى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " "غلظٌ جِلدِ الكَافِرِ اثنَانٍ وأربعَونَ ذرَاعًا، وضِرسه مِثلُ أحُد" .
وإنما بدلت جلودهم {ليذوقوا} ألم {العذاب}، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، {إن الله كان عزيزًا} لا يمتنع عليه ما يريد، {حكيمًا} يعاقب على قدر حكمته.
ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا لهم فيها أزواج مطهرة} مما يستقذر {وندخلهم ظلاً ظليلاً} أي دائمًا لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدَّم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال:
" "الحَسدُ يأكُلُ الحسنَاتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ" . وقال سفيان: ( بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسدُ عدو نعمتي، غيرُ راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي). وأنشدوا:

ألاَ قُل لمَن كانَ لي حَاسِدًاأتدري على مَن أسَأتَ الأدَب
أسَأتَ على اللهِ في فِعلِهإذا أنتَ لم تَرضَ لي مَا وَهَب
جَزَاؤُكَ منه الزيادةُ ليوألاَّ تَنَالَ الذِي تَطَّلِب

وقال آخر:

إن تحسُدُوني فإني غيرُ لائمكم قَبَلى من الناسِ أهل الفضلِ قّد حُسِدُوا
فَدَامَ لي وَلَهُم ما كَانَ بي وبهموماتَ أكثَرُنا غيظًا بما يَجِدُ

ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل:

كلُ العَدَاوةِ قد تُرجىَ إزالتُهاإلا عداوة مَن عَادَاكَ مِن حَسَدٍ

وقال حكيم الشعراء:

وأظلمُ خَلقِ اللهِ مَن بَاتَ حَاسِدًا لِمَن بَاتَ في نَعمَائِه يَتَقَلَّبُ

وقال آخر:

أني لأرحمُ حاسِدِيَّ لفرطِ ماضَمَّت صُدُوُرُهُم مِن الأوغَارِ
نَظَرُوا صنيعَ اللهِ في فَعُيُونهُمفي جَنَّةٍ وقَلوبُهُم في نارِ

قال بعض الحكماء: ( الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله ـ تعالى ـ فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه). عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.