التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
٢٠
-الشورى

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {مَن كان يُريد حرثَ الآخرةِ}، سُمِّي ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة المستقبلة حرثاً، مجازاً؛ لأن الحرث: إلقاء البذر في الأرض لننظر نتاجه، فأطلقه على العمل، لجامع حصول النتاج، أي: مَن كان يريد بأعماله ثواب الآخرة {نَزِدْ له في حَرْثِه}؛ نضاعف له ثوابه، الواحدة بعشر إلى سبعمائة فما فوقها، أو: نَزِدْ له في توفيقه وإعانته، وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. {ومَن كان يريد} بأعماله {حَرْثَ الدنيا} وهو متاعها وطيباتها {نُؤْتِهِ منها} أي: شيئاً منها، حسبما قسمناه له، لا ما يريده ويبتغيه، {وما لهُ في الآخرة من نصيبٍ} إذا كانت همته مقصورة على الدنيا. ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده، من زكاء أعماله، وفوزه في المآب؛ لأن ما يُعطى في الآخرة يستحقر أن يُذكر معه غيره من الدنيا.
الإشارة: قد مرّ مِراراً ذم الدينا وصرف الهمة إليها، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض خطبه:
"أيها الناس، أَقبِلوا على ما كلفتموه من صالح آخرتكم، وأَعْرِضوا عما ضُمِنَ لكم من أمر دنياكم، ولا تشغلوا جوارحكم جوارح غذيت بنعمته في التعرُّض لخطأ بمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس معرفته، واصرفوا هممكم إلى التقرُّب بطاعته، إنه مَن بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبُه من الآخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومَن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد" .
قال الورتجبي: حرث الآخرة: مشاهدته ووصاله وقربه، وهذا للعارفين، وحرث الدنيا: كرامات الظاهر، ومَن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق. ثم قال: عن بعضهم: مَن عَمِل لله محبة له، لا طلباً للجزاء، صغر عنده كل شيء دون الله، فلا يطلب حرث الدنيا، ولا حرث الآخرة، بل يطلب الله من الدنيا والآخرة. ثم قال: حرث الدنيا: قضاء الوطر منها، والجمع منها، والافتخار بها، ومَن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب. هـ. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى:

يا مؤثرَ الدنيا على دينهومشترٍ دنياه بالآخره
بعتَ الذي يبقى بما ينقضيتبّاً لها من صفقة خاسره

ثم ذكر مقابل قوله {شرع لكم من الدين} كأنه تعالى لما ذكر لَمَّا ذكر أنه شرع ما وصى به، أخذ يُنكر ما شرع غيره، فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ}.