التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
١٢
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٣
-المائدة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: النقيب: هو كبير القوم والمقدَّم عليهم، ينقب عن أحوالهم ويفتش عليها. والخائنة: إما مصدر؛ كالعاقبة واللاغية، أو اسم فاعل، والتاء للمبالغة، مثل: رواية ونسَّابة وعلاَّمة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} على أن يجاهدوا مع موسى ـ عليه السلام ـ وينصروه، ويلتزموا أحكام التوراة، {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا} اخترناهم وقدمناهم، على كل سبط نقيبًا ينقب عن أحوال قومه، ويقوم بأمرهم، ويتكفل بهم فيما أمروا به.
رُوِي أن بني إسرائيل لمَّا خرجوا عن فرعون، واستقروا بأوائل الشام، أمرهم الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس، وهي في الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فأخرجوا إليها، وجاهدوا مَن فيها من العدو، فإني ناصركم. وقال لموسى عليه السلام: خذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيبًا، يكون أمينًا وكفيلاً على قومه بالوفاء على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، فسار بهم حتى إذا دنوا من أرض كنعان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم بما يرون، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجرامًا عظامًا وبأسًا شديدًا، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم، إلا كالب بن يوقنا ـ من سبط يهوذا ـ ويوشع بن نون ـ من سبط إفراثيم بن يوسف ـ ثم {قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين} إلى آخر ما يأتي من قصتهم. وأما ما ذكره الثعلبي هنا، وغيره، من قصة عوج بن عناق، فقال القسطلاني: هي باطلة من وضع الزنادقة، فلا يجوز ذكرها في تفسير كتاب الله الصادق المصدوق.
{وقال الله} لبني إسرائيل: {إني معكم} بالنصر والمعونة؛ {لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وآمنتم برُسلي} التي أرسلتُ بعد موسى {وعزرتموهم} أي: نصرتموهم وقويتموهم، {وأقرضتم الله قرضًا حسنًا} بالإنفاق في سُبُل الخير، {لأكفّرنّ عنكم سيئاتكم} أي: أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها، {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك} العهد المؤكد، المعلَق عليه هذا الوعد العظيم، {فقد ضلّ سواء السبيل} أي: تلف عن وسط الطريق، تلفًا لا شبهة فيه ولا عذر معه، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد؛ فيمكن أن تكون له شبهة، ويتوهم له معذرة.
ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أُخذت عليهم، فكفروا وقتلوا الأنبياء، قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم} أي: طردناهم وأبعدناهم، أو مسخناهم، {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: يابسة صلبة لا ينفع فيها الوعظ والتذكير، أو رديَّة مغشوشة بمرض الذنوب والكفر.
ثم بيَّن نتيجة قسوة قلوبهم فقال: {يُحرفون الكلم عن مواضعه} لفظًا أو تأويلاً. ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب الله وتحريفه، {ونسوا حظًا مما ذُكروا به} أي: تركوا نصيبًا واجبًا مما ذُكروا به من التوراة، فلو عملوا بما ذكَّرهم الله في التوراة ما نقضوا العهود وحرّفوا كلام الله من بعد ما علموه، لكن رَين الذنوب والأنهماك في المعاصي، غطت قلوبهم فقست ويبست، {ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة} أي: خيانة {منهم} أو على طائفة خائنة منهم، لأن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم، فلا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلاً منهم} لم يخونوا، وهم الذين أسلموا منهم، {فاعف عنهم واصفح} حتى يأتيك أمر الله فيهم، أو إن تابوا وآمنوا، أو إن عاهدوا والتزموا الجزية، {إنَّ الله يحبّ المحسنين} إلى عباده كيفما كانوا. ومن الإحسان إليهم: جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل الامتحان.
الإشارة: قد أخذ الله على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن، ويحافظوا على مراسم الإسلام والإيمان ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان، وبَعث من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان، وقال الله لهم: {إني معكم} بالنصر والتأييد، لئن أقمتم شرائع الإسلام، وحققتم قواعد الإيمان وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان، لأغطين مساوئكم، ولأمحقن دعاويكم، فأوصلكم بما منى إليكم من الكرم والجود، ولأدخلنكم جنة المعارف تجري من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحِكَم، فمن لم يقم بهذا، أو جحده فقد ضل عن طريق الرشاد، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان، فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد، وقسا قلبه، بعد اللين. وقد ذكرنا في تفسير الفاتحه الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما ذكر نقض اليهود ذكر نقض النصارى، فقال: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ}.