التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
-المائدة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: سبب نزل الآية عند ابن عباس: قوم من اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل. وهو مناسب لما قبله، وقال جماعة: نزلت في نفر من عُكل وعُرينَة، أظهروا الإسلام بالمدينة، ثم خرجوا وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله، فبعث في إثرهم، فأُخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فماتوا، ثم حُكمُها جارٍِ في كل محارب، والمحاربة عند مالك: هي حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج عنه، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، و{فسادًا}: منصوب على العلة، أو المصدر، أو على حذف الجار.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله} حيث حاربوا عباده، فهو تغليظ ومُبالغة، {و} يحاربون {رسوله} كما فعل العُرَينيون أو غيرهم، {ويسعون في الأرض فسادًا} بالفساد كإخافة الناس، ونَهب أموالهم. قال ابن جزي: هو بيان للحرابة، وهي درجات؛ فأدناها: إخافة الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم قتل النفس.
فجزاؤهم {أن يُقتلوا أو يُصلبوا}، فالصلب مضاف للقتل، فقيل: يقتل ثم يصلب، إرهابًا لغيره، وهو قول أشهب، وقيل: يصلب حيًا ويُقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم، {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف}، فيقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد من الرسغ، والرجل من المفصل كالسرقة، {أو يُنفوا من الأرض} أي: ينفوا من بلد إلى بلد، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم. وقال أبو حنيفة: يسجن في البلد بعينه. ومذهب مالك: أن الإمام مخير في المحارب بين ما تقدم، إلا أنه قال: إن كان قتل فلا بد من قتله، وإن يقتل فالأحسن أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب.
أولئك المحاربون {لهم خزي في الدنيا}: ذل وفضيحة، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} لعظم ذنوبهم. ظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحاربين بخلاف سائر الحدود. ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، وفي الآخرة لمن لم يعاقب، {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} بأن جاءوا تائبين {فاعلموا أن الله غفور رحيم}، فيسقط عنهم حكم الحرابة، واخُتلف: هل يطالب بما عليه من حقوق الناس كالدماء أم لا؟ فقال الشافعي: يسقط عنه بالتوبة حد الحرابة، ولا يسقط حقوق بني آدم، وقال مالك: يسقط عنه جميع ذلك، إلا أن يُوجد معه مال رجل بعينه، فَيُرَدَّ إلى صاحبه، أو يطلبه ولي دم بدم تقوم البينة فيه، فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي لم يطالب بها، فلا يتبعه الإمام بشيء منها.
وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة، يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب، والآية في قُطَّاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها. هـ. قاله البيضاوي: والله تعالى أعلم.
الإشارة: فرق كبير بين من يرجع إلى الله بملاطفة الإحسان، وبين من يقاد إليه بسلاسل الامتحان، هؤلاء المحاربون لم يرجعوا إلى الله حتى أُخذوا وقُتلوا وصُلبوا أو قطعت أيديهم وأرجلهم. وإن رجعوا إليه اختيارًا قبلهم، وتاب عليهم ورحمهم وتعطف عليهم، وكذلك العباد: من رجع إلى الله قبل هجوم منيته قَبِله وتاب عليه، وإن جد في الطاعة قرَّبه وأدناه، وإن تقدمت له جنايات، وقد خرج من اللصوص كثير من الخصوص، كالفضيل، وابن أدهم، وغيرهما، ممن لا يحصى، سبقت لهم العناية فلم تضرهم الجناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم حضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير والفوز من كل شر، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.