التفاسير

< >
عرض

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ
٣٦
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
٣٧
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ
٣٨

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {وكم أهلكنا قبلهم} قبل قومك {من قَرْنٍ} من القرون الذين كذَّبوا رسلهم {هم أشدُّ منهم} من قومك {بطشاً} قوة وسطوة، {فنَقَّبوا في البلاد} أي: خرّبوا وطافوا وتصرّفوا في أقطارها، وجالوا في أكناف الأرض كل مجال حذرا من الموت {هل} وجدوا {من مَحيص} أي: مهرب منها؟ بل لَحِقَتهم ودقت أعناقهم، أو: هل وجدوا من مهرب من أمر الله وقضائه؟ وأصل التنقيب والنقب: البحث والطلب، قال امرؤ القيس:

لقد نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتَّى رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإِيابِ

ودخلت الفاء للتسبُّب عن قوله: {هم أشد منهم بطشاً} أي: شدة بطشهم، أي: قدرتهم على التنقيب في البلاد، ويجوز أن يعود الضمير إلى أهل مكة، أي: ساروا في أسفارهم ومسايرهم في بلد القرون، فهل روأوا لهم محيصاً حتى يُؤملوا مثله أنفسهم؟ ويؤيدهم قراءة مَن قرأ (فنَقِّبوا) على صيغة الأمر.
{إِنَّ في ذلك} أي: فيما ذكر من قصصهم، أو: فيما ذكر في السورة {لَذِكرى} لتذكرة وعظة {لمَن كان له قلبٌ} سليم واعٍ يُدرك كنه ما يشاهده من الأمور، ويتفكّر فيها، ليعلم أن مدار دمارهم هو الكفر، فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير، {أو أَلقى السمعَ} أي: أصغى بقلبه إلى ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى عليهم، فإن مَن فعله يقف على كنه الأمر، فينزجر عما يؤدي إليه من الكفر والمعاصي، يقال: ألق إليَّ سمعَك، أي: استمع، فـ"أو" لمنع الخلو، لا لمنع الجمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب عما ذكر من الصفات، للإذان بأن مَن عَرَى قلبه عنهما كمَن لا قلب له أصلاً. وقوله تعالى: {وهو شهيد} حال، أي: والحال أنه حاضر القلب لا يغفل أو: شاهد على ما يقرأ من كتاب الله.
{ولقد خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما} من أصناف المخلوقات، وهذا أيضاً احتجاج على القدرة على البعث بما هو أكبر، كقوله:
{ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } [غافر: 57] وقوله تعالى {في ستة أيام} إنما خلقها في تلك المدة تعليماً لخلقه التؤدة، وإلا فهو قادر على أن يخلقها في لمحة، { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [القمر: 50]، ويحتمل أن هذا في عالم الأمر، وأما عالم الخلق فاقتضت الحكمة خلقه بالتدريج، وله الخلق والأمر، ثم قال تعالى: {وما مسَّنا من لُغوبٍ} من إعياء ولا تعب في الجملة، وهذا رد على جهلة اليهود، أنه تعالى بدأ العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش، تعالى عما يقولون عُلوّاً كبيراً.
الإشارة: كثيراً ما أهلك اللّهُ من النفوس المتمردة في القرون الماضية، زجراً لمَن يأتي بعدهم، ففي ذلك ذِكرى لمَن كان له قلب سليم من تعلُّقات الكونين. قال القشيري: فالقلوب أربعة: قلب فاسد: وهو الكافر، وقلب مقفول: وهو قلب المنافق، وقلب مطمئن: وهو قلب المؤمن، وقلب سليم: وهو قلب المحبين والمحبوبين، الذي هو مرآة صفات جمال الله وجلاله، كما قال تعالى:
"لا يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن" هـ. وقال الشبلي: لِمن كان له قلب حاضر مع الله، لا يغفل عنه طرفة عين. وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان: قلب احتشى بأشغال الدنيا، حتى إذا حضر أمرٌ من أمور الآخرة لم يدرِ ما يصنع، وقلب احتشى بالله وشهوده، فإذا حضر أمر من أمور الكونين لم يدرِ ما يصنع، غائب عن الكونين بشهود المكوِّن. وقال القتاد: لمن كان له قلب لا يتلقّب عن الله في السراء والضراء. هـ. {أو ألقى السمع وهو شهيد} أي: يشهد ما مِن الله إلى الله، أو: يشهد أسرار الذات. قال القشيري: يعني مَن لم يكن له قلب بهذه الصفة يكون له سمع يسمع الله وهو حاضر مع الله، فيعتبر بما يشير إليه الله في إظهار اللطف أو القهر. هـ. {ولقد خلقنا السماوات} أي: سماوات الأرواح، وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، وسر الأسرار، في ستة أيام، أي: ستة أنواع من المخلوقات، وهي محصورة فيما ذكرناه من الأرواح، والأشباح، والنفوس، والقلوب، والأسرار، وسر الأسرار، فلا مخلوق إلا وهو داخل في جملتها، لا يخرج عنها، {وما مسّنا من لُغوب} لأن أمرنا بين الكاف والنون.
ثم أمر نبيه بالصبر على ما يسمع في جانبه تعالى، أو في نفسه، فقال: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}.