التفاسير

< >
عرض

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ
٤٩
وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ
٥٠
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
٥١
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ
٥٢
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ
٥٣
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
٥٤
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ
٥٥
-القمر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا كُلَّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ} أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حالَه وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدّراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، و"كل": منصوب بفعل يُفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذّاً، والنصب ألأولى؛ لأنه لو رفع لأمكن أن يكون "خلقنا" صفة لشيء، ويكون الخبر مقدراً، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: "خلقناه"، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون "خلقنا" صفة لشيء؛ لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملاً. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يُخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب.
{وما أَمْرُنا إِلا واحدةٌ} أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: {كن} أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلاّ أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلاّ فِعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، {كلمح بالبصر} في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى:
{ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ } [النحل: 77].
{ولقد أهلكنا أشياعكم} أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، {فهل من مُدَّكِر} من متعظ بذلك {وكلُّ شيءٍ فعلوه} من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل {في الزُبرِ} في ديوان الحفظة، {وكل صغيرٍ وكبيرٍ} مِن الأعمال، ومِن كل ما هو كائن {مُسْتَطَرٌ} مسطور في اللوح بتفاصيله.
ولمَّا بيَّن سوء حال الكفرة بقوله: {إن المجرمين...} الخ، بيَّن حُسن حال المؤمنين، جمعاً بين الترهيب والترغيب فقال: {إِنَّ المتقين} أي: الكفر والمعاصي {في جناتٍ} عظيمة {ونَهَرٍ} أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: "ونُهُر" جمع "نَهَر"، كأَسَد وأُسُد. {في مقعد صدقٍ} في مكان مرضيّ، وقرئ "فيمقاعد صدق"، {عند مليكٍ مقتدرٍ} أي: مقربين عند مليك قادر لا يُقادَر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسّة.
الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كدّ التدبير والاختيار؛ لأنّ العاقل إذا علمَ عِلم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمّه القدر، لا يتقدّم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوَّض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيراً كان أو شرّاً، كما قال الشاعر:

إِذا كانتِ الأَقْدارُ مِن مَالكِ المُلْكِ فَسِيَّان عِندي مَا يَسرُّ وما يُبكي

وقال آخر:

تَسَلَّ الْهُمومِ تَسل فَما الدُّنيا سِوى ثوبٍ يُعارُ
وسَلِّم للمُهَيْمنِ في قَضَاهُ ولاَ تَخْتَرْ فلَيْسَ لَكَ اخْتِيارُ
فَما تَدرِي إِذا ما الليْلُ وَلَّى بِأَيِّ غَريبةٍ يَاتِي النَّهار

وقوله تعالى: {وما أَمْرُنا إِلا واحدةٌ..} الخ، هذا في عالمَ الأمر، ويُسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالَم الحكمة، فجُلّه بالتدريج والترتيب، ستراً لأسرار الربوبية، وصوناً لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويُقال لأهل العناد المُتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم؛ إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبُعد، فهل من متعظٍ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إنَّ المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحِكَم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستُّر والحجاب؛ لذلك سماه "مقعد صدق" أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدّر قادر. انظر تمام كلامه.
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.