التفاسير

< >
عرض

ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ
١٤
عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ
١٥
مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ
١٦
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ
١٧
بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
١٨
لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ
١٩
وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ
٢٠
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
٢١
وَحُورٌ عِينٌ
٢٢
كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ
٢٣
جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٤
لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً
٢٥
إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً
٢٦
-الواقعة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {ثُلّةٌ} أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة {من الأولين} والثُلة: الأمة الكثيرة من الناس، {وقليل من الآخِرين} ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أنَّ صدر هذه الأمة كَثُر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويُؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ، وصرّح في حديث آخر أنهم جميعاً من أمته، فقال: "الفرقتان من أمتي" ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. هـ. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسدٌ، واقتصر في نوادر الأصول على أنَّ الثلة الأنبياء، وخُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومِنْ بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. هـ. وفي المَحلِّي هنا تخليط. انظر الحاشية.
{على سُرُرٍ} جمع سرير، {موضونةٍ} قال ابن عباس: "مرمولة"، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طولُ السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، {متكئين عليها} حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سُرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأَسِرة، {متقابلين} ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وُصفوا بحسن العِشْرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضاً حال.
{يطوف عليهم} يَخدمهم {وِلدانٌ} غلمان، جمع وليدٍ، {مُخلَّدون} مُبْقَّوْنَ أبداً على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكِبَر، وقيل: مقرَّطون، والخِلَدَةُ: القُرْط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يُثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث:
"أولاد الكفار خُدّام أهل الجنة" . وهذا هو الصحيح. {بأكوابٍ} جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، {وأباريقَ} جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، {وكأسٍ} أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يُسمى كأساً، {من مَعينٍ} من خمر، يجري من العيون، {لا يُصَدَّعون عنها} أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صُداع، وهو وجع الرأس، {ولا يُنزَفُونَ} ولا يسكرون، يقال: نزَف الرجل: ذهب عقله بالسُكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أُنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: "زَمزمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمّ" أي: لا ينفذ ماؤها.
{وفاكهةٍ مما يتَخيَّرون} أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيماً وسروراً من أخذه مجنياً، {ولحم طيرٍ مما يشتهون} مما يتمنون مشوياً أو مطبوخاً، {وحُورٌ عِينٌ} أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على "ولدان" أي: وتخدمهم حُور عين، زيادة في التعظيم، ومَن قرأ بالخفض عطفه على "جنات النعيم" كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور {كأمثالِ اللؤلؤ المكنونِ} في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صَدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدُرِّ حين يخرج من صدفه، لم يُغيرّه الزمان واختلاف الأيدي عليه، {جزاء بما كانوا يعملون} مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يُجزَون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغُرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض.
{لا يَسْمَعون فيها} في الجنة {لَغواً} باطلاً {ولا تأثيماً} هذياناً، أو: ما يُؤهم صاحبه لو كف، {إِلاَّ قِيلا} أي: قولاً {سلاماً سلاماً} أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و"سلاماً" بدل من "قيلاً" أو: مفعول به لـ"قيلاً"، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً، والمعنى: أنهم يُفشون السلام فيُسَلِّمون سلاماً بعد سلام، أو: لا يسمع كلٌّ من المسلِّم والمسلِّم عليه إلا سلام الآخر بدءاً ورداً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أخبر تعالى أنّ المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبةً، وأوسع علماً وتحقيقاً؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدُّوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجدّ إلا قليلاً، ولا من أهل الحق إلا نذراً يسيراً، فحيث نهضوا وحدهم عوّضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام:
"اشتقت إلى إخواني قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، مِن نعتهم كذا وكذا ثم قال: يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: منكم قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: إنكم وجدتم على الخير أعواناً، وهم لم يجدوا عليه أعواناً" . وفي حديث آخر، رواته ثقات: "قالوا: يا رسول الله؛ هل أحد خير منا؟ قال: قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتاباً بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويُصَدِّقون بما جئتُ به، ويعملون به، فهم خير منكم" ، ولا يلزم من تفضيلهم مِن جهةٍ تفضيلهم مطلقاً.
ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك": يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدّعون من أجلها؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون: لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً. وفاكهة؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:

تُهذّبُ أخلاقَ النّدامى، فيَهْتدي بها لطريقه العزم مَن لا له عَزْم
ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّثه ويحلُمُ عند الغيظ مَن لا له حِلم

فلا تسمع من الصوفية إِلا قيلاً سلاماً سلاماً، كما قيل في حقيقة التصوُّف: أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.هـ.
ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}.