التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١١
لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ
١٢
لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
١٣
لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ
١٤
-الحشر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ إلى الذين نافقوا} أي: ألم ترَ يا محمد، أو: يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: {يقولون} استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: {لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: {لئن أُخرجتم} موطئة للقسم، و{لنَخْرُجَنَّ} جوابه، أي: والله لئن أُخرجتم من دياركم {لنَخْرُجَنَّ معكم}، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، {ولا نُطيعُ فيكم}؛ في قتالكم {أحداً أبداً}، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، {وإن قُوتلتم لننصرنكم}، قال تعالى في تكذيبهم: {واللهُ يشهد إنهم لكاذبون} في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة.
{لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قُوتلوا لا ينصرونهم}، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، {ولئن نصروهم} على الفرض والتقدير، {ليُوَلُّنَّ الأدبارَ} فراراً {ثم لا يُنصرون} أبداً، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبداً. وإنما قال: {ولئن نصروهم} بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون.
{لأنتم أشدُّ رهبةً} أي: أشد مرهوبية، مصدر: رُهِبَ، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفاً {في صُدورهم من الله} دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يُظهرون لكم في العلانية خوفَ الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، {ذلك} أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله {بأنهم قوم لا يفقهون} شيئاً حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته.
{لا يُقاتلونكم} أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم {جميعاً}؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، {إلاّ في قُرىً محصنةٍ}، بالدُّروب والخنادق، {أو مِن وراء جُدُر} دون أن يصحروا ويبارزوكم؛ لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: "جدار" بالإفراد. {بأسُهم بينهم شديدٌ}، بيان لِما ذكر من أنَّ رهبتهم ليس لضعفهم وجُبنهم في أنفسهم، فإنّ بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفُهم وجبنهُم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب.
{تَحْسَبُهم} أي: المنافقين واليهود {جميعاً} أي: مجتمعين ذوي أُلفة واتحاد، {وقلوبُهم شَتَّى}؛ متفرقة لا أُلفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. هـ. يعني: أنّ بينهم إحناً وعداوات، فلا يتعاضدون حقَّ التناصر ولا ينصرون أبداً. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصلِ كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمّة، والتساوي في القصد، يُوجب كلٍّ ظفرٍ وسعادة. هـ. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. {ذلك} التفرُّق {بأنهم قوم لا يعقلون} شيئاً، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويَرمُوا عن قوس واحدة، لكن لّمَّا جهلوا الحق تشتتت طُرُقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتُّت الطُرق، وأما ما قيل من أنّ المعنى: لا يعقلون أنّ تشتيت القلوب مما يُوهن قلوبهم، فبعيد.
الإشارة: إذا حاصر المريدُ قريةَ القلب ليُخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نُعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، ولا نُطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة؛ لننصرنكم بالتخاذل والتثُّبط، والله يشهد أنهم لكاذبون؛ إذ لا قدرة لشيء إلاّ بإذن الله. {لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعاً، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلاّ في قلوب غافلة, شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق, أو: تُوَسْوِس من وراء جُدُر الإيمان, وأما القلوب الفارغة من الشواغل, المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النورُ على ظلمة النفس، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي: تظنون أنَّ مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة, وقلوبهم شتى, فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم:
"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعاً لما جئتُ به" .
ثم شبَّه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً}.