التفاسير

< >
عرض

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٢
وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤
-الحشر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي: نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، {وهو العزيزُ الحكيم}، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم. هـ.
رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا: هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة: لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها: زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابهُمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن, فإن قاتلوكم فنحن معكم, لا نخذلكم, ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى:
{هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم} بالمدينة، أي: هو الذي تولّى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: {لأول الحشر} متعلق بأخْرَج، وهو اللام في قوله:
{ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر؛ لأنّ هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا مِن سبط لم يُصبهم جلاء قط، وهم أول مَن أُخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عُمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: "مَن شك أنَّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية" فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر"
{ما ظننتم أن يخرجوا}، لشدة بأسهم، ومَنعَتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عَددهم وعُدتهم، {وظنوا أنهم مانعتهم حُصُونُهم من الله} أي: ظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أنّ في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وُثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسماً لـ"أن"، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يُبالَى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم. {فأتاهم اللهُ} أي: أمره وعقابه {من حيث لم يحتسبوا}؛ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قُتل "كعب" رئيسهم على يد أخيه رضاعاً.
{وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ}؛ الخوف والجزع، {يُخْربون بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}، فكانوا يُخربون بواطنَها، والمسلمون ظواهرَها، لِمَا أراد الله مِن استئصال شأفتهم، وألاَّ تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم دَيَّار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدُّوا بها أفواه الأزفَّة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيّد الخشب والساج، وأمّا المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة مُتحصّنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرّضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه؛ فكأنهم أمروهم به، وكلّفوهم إياه. {فاعتبِروا يا أُولي الأبصارِ} أي: فاتعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجهٍ لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثَل فعلهم، فتُعاقََبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعِظوا بحالهم، فلا تغدروا, ولا تعتمدوا على غير الله. هـ. وهذا دليل على جواز القياس.
{ولولا أن كتب اللهُ عليهم الجلاء}؛ الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع {لعذَّبهم في الدنيا} بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، {ولهم في الآخرة عذابُ النار} الذي لا أشد منه، {ذلك بأنهم} أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شاقُوا اللهَ}؛ خالَفوه {ورسوله} وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، {ومَن يُشاقِّ اللهَ}، وقرئ: "يشاقِق" على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: {فإنَّ الله شديدُ العقاب}، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يُعاقبه لأنّ الله شديد العقاب.
الإشارة: "سبِّح لله" نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني, والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته:

وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ

أي: لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير.
ثم قال تعالى: {هو الذي أخرج} الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مزعجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع, ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة.
ثم قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً}.