التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ
٤٠
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
٤١
-الأنعام

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قال في المشارق: أرأيتك: معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أخبرني عن كذا، وهو بفتح التاء في المذكر والمؤنث والواحد والجمع، تقول: أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، ولم تُثَن ما قبل علامة المخاطب ولم تَجمعَهُ، فإذا أردت معنى الرؤية ـ أي البصرية ـ ثَنيت وجمعت وأنثت، فقلت: أرأيتك قائمًا، وأرأيتُكِ قائمة، وأرأيتكما وأرأيتموكم وأرأيتيكن. هـ. وقال في الإتقان: إذا دخلت الهمزة على "رأيت" امتنع أن يكون من رؤية العين والقلب، وصار المعنى: أخبرني، وهو خلاف ما قال في المشارق، فانظره وانظر الحاشية الفاسية.
قال البيضاوي: {أرأيتكم}: استفهام تعجب، والكاف: حرف خطاب، أكد به الضمير للتأكيد، لكن لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنه، فلو جعلت الكاف مفعولاً ـ كما قاله الكوفيون ـ لعدَّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، ولزم في الآية أن يقول: أرأيتكموكم، بل الفعل معلق، أو المفعول محذوف، وتقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب الله، ويدل عليه: {أغير الله تدعون}. هـ. وجواب {إنْ}: محذوف؛ أي: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون؟ وجواب {إن كنتم}: محذوف أيضًا؛ أي: إنَّ كنتم صادقين في أنَّ غير الله ينفعكم فادعوه، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذٍ إلا الله.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: {أرأيتكم} أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} في الدنيا كما أتى من قبلكم، {أو أتتكم الساعة} وأهوالها، {أغير الله تدعون} وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم {إن كنتم صادقين} أن الأصنام آلهة، لا، {بل أياه تدعون} وحده، {فيكشف ما تدعون إليه} أي: ما تدعونه إلى كشفه، {إن شاء} أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا، وقد لا يشاء، {وتنسون ما تشركون} أي: وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت؛ لِما ركز في العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره، أو تنسون من شدة الأمر وهوله.
الإشارة: إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال، فإن رجع إلى الله وحده ولم يلتفت إلى شيء سواه، علمنا أنه من الأبطال، وإن فزع إلى شيء من السَّوى، علمنا أنه من جملة الضعفاء. وعندهم من جملة أصول الطريق: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد، وفي الوقت الذي يريد، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد. والله تعالى أعلم.
ثم حضَّ على الرجوع إليه في حالة الضراء، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ}.