التفاسير

< >
عرض

لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
٨
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩
-الممتحنة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبروهم} أي: لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، فـ" أن تبروهم": بدل من الموصول، {وتُقْسِطوا إِليهم} أي: تقضوا إليهم بالقسط، أي: بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم؟ {إِن اللهَ يُحب المُقسِطين}؛ الحاكمين بالعدل، رُوِي أن " قُتَيلةَ بنت عبد العزى" قَدِمَتْ مشركة على بنتها "أسماء بنت أبي بكر" رضي الله عنه، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل منها، وتُكرمها، وتُحسن إليها. وقيل: المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألاّ يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه. قال المحلي: وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال: وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. هـ.
قال الكواشي: نزلت رخصة في صلة الذين لم يُعادوا المؤمنين ولم يُقاتلوهم. ثم قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبِرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم. هـ. قال القشيري: مَن كان فيهم حُسن خُلق، أو للمسلمين منهم رِفْق، أُمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة: "إنَّ الله يُحب الرِّفق في الأمر كله". هـ. المحشي. وهذا: فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك: حكى الدارقطني أنَّ عبدَ وزيرِ المعتضد دخل على القاضي إسماعيل, وكان نصرانيّاً, فقام له ورحّب به, فرأى إنكار مَن عنده, فقال: علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: {لا ينهاكم الله...} الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا مَن البر، فسكت الجماعةُ عند ذلك. هـ. قال البرزلي: ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنّس بظاهر الآية، وخاف مِن أذاه إن لم يفعل ذلك. هـ.
وفي حديث الجامع:
" بُعثتُ بمداراة الناس" ، قيل: والفرق بينها وبين المداهنة: أنَّ المداهنة: إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى: { فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا } [طه:44]، وقيل: المداهنة: ترك الدين بالدنيا، والمداراة: بيع الدنيا بحفظ الدين.
وقد عَدّ السهروردي في " الآداب" مِن رُخص الصوفية: التكلُّف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك: إلاّ يكون طمعاً في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم يدخل عليه سادات قريش فيُكرمهم، ويُجلهم، ويُحسن مجالستهم، وقال:
" إذا أتاكم كريم قوم فأكرِموه" . هـ. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه: أن العاقل عن الله يُعاشر الناس على ما دبَّر الله لهم، فالغَنِيّ قد أكرمه الله كرامةَ ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تُنزله المنزلةَ التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقّرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركتَ موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمتَه، وكذلك معاملة الملوك والوُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض؟ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم.
ثم ذكر أنّ ضد ما ذكر مِن ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلُّص من النفس، فلم تكن لقوتِهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة بِرهم، فتخلط قلوبُهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسَهم مِن ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جَوْرهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومَن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويَقبلُون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويُظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم.
ثم وَجَّه حديثَ ابن عباس:
" ملعون مَن أكرم بالغنى وأهان بالفقر " فإنَّ معناه: مَن عظَّم الدنيا وعظَّم أهلها، فأمّا مَن دقت الدنيا في عينه، يرى أهلَها مُبْتَلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حِسَابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عَوّده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يَفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه" فهو إنما يُكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونًا، ثم ذكر حديث: "مَن أُعطي حظه من الرفق أُعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة، ومن حُرمه حُرم كذلك " ، ثم ذكر قصة نسْطُور صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطُّفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيْه, حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملكَ وجميعَ الناس في قضية عجيبة، فعليك بها.
{إِنما ينهاكم اللهُ عن} موالاة {الَّذين قاتلوكم في الدين وأَخْرَجوكم من دياركم}، وهم عتاة أهل مكة، {وظاهَرُوا} أي: عاوَنُوا {على إِخراجكم} وهم سائر أهلها، {أن تَوَلَّوْهم}: بدل اشتمال من الموصول، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة مَن لم يتعرّض لكم، إنما ينهاكم عمّن أذاكم {أن تَولَّوهُم ومَن يتولهمْ فأولئك هم الظالمون} حيث وضعوا التولي في غير موضعه.
الإشارة: لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبرُّوا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدّتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومَن يتولها، وبقي في رِقَّها؛ فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيمَ الحضرة. أو: لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتُقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم؛ فإنَّ مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومَن يتولهم لا يُفلح أبدًا.
ثم نَهَى عن رد مَن أسلم من النساء إلى أزواجهن من الكفار، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ}.