التفاسير

< >
عرض

فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ
١٦
وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
١٧
وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ
١٨
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ
١٩
فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ
٢١
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
٢٢
وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
٢٣
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٤
إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٢٥
-الانشقاق

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {فلا أُقسم بالشفقِ} وهي الحُمرة التي تُشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقَّته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. {والليلِ وما وَسَقَ}؛ وما جمع وضمَّ، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، {والقمرِ إِذا اتَّسَقَ} أي: اجتمع ضوؤه وتمّ نوره ليلة أربع عشرة.
{لتَرْكَبُنَّ طبقاً عن طبق}؛ لتُلاقُن حالاً بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدّة والفظاعة, كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالاً بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفاً إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يَهرم على نيف وثلاثين اسماً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم خلقاً آخر، ثم جنيناً، ثم وليداً، ثم رضيعاً، ثم فطيماً، ثم يافعاً، ثم ناشئاً، ثم مترعرعاً، ثم مزوِّراً، ثم مراهقاً، ثم محتلماً، ثم بالغاً، ثم حَمَلاً، ثم ملتحياً، ثم مستوفياً، ثم مصعَداً، ثم مجتمعاً ـ والشباب يجمع ذلك ـ ثم مَلْهوراً، ثم كهلاً، ثم أشمط، ثم شيخاً، ثم أشيب، ثم حَوْقلاً، ثم مُقتاتاً، ثم هما، ثم هرماً، ثم ميتاً. وهذا معنى قوله: {لتَرْكَبُنَّ طبقاً عن طبق}. هـ. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن مَن قبلكم، حالاً بعد حال.
هذا على مَن قرأ بضم الباء، وأمّا مَن قرأ بفتحها فالخطاب إمّا للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدّم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبَن مكابدة الكفار حالاً بعد حال، أو: لتركبَن فتح البلاد شيئاً بعد شيء، أو: لتركبَن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبَن أحوال أيامك، حالاً بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يُطلق على الحال، كما قال الشاعر:

الصبر أجمل والدنيا مفجعة ٌ مَن ذا الذي لم يزوّر عيشه رنقا
إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا

ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم:

تَنقَّل من صَالبٍ إلى رَحمٍ إذا مَضَى عَالمٌ بَدَا طَبَقُ

ومحل (عن طبق): النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو: حال من الضمير في "لتركبن" أي: مجاوزين لطبق.
{فما لهم لا يؤمنون}، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأيّ شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أيّ شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ {وإِذا قُرىءَ عليهم القرآنُ لا يسجدون} ولا يخضعون، وهي أيضاً جملة حالية، نسقاً على ما قبلها، أي: أيّ: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم:
{ { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب } } [العلق:19] فسجد هو ومَن معه من المؤمنين، وقريش تُصَفِّق فوق رؤوسهم وتُصفِّر، فنزلت. وبه احتجّ أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: "ليس في المفصل سجدة"، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: "والله ما سجدت إلاّ بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها"، وعن أنس رضي الله عنه: " صليتُ خلف أبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ فسجدوا". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها.
{بل الذين كفروا يُكذّبون} بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقُّق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته {واللهُ أعلم بما يُوعدون}؛ بما يُضمرون في قلوبهم، ويُخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدّخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، {فبشَّرهم بعذابٍ أليمٍ}؛ أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، {إِلاَّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات}، استثناء منقطع، {لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ}؛ غير مقطوع، أو غير ممنونٍ به.
الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العُمال، فقال تعالى "فلا أُقسم بالشفق"؛ بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، "والليل وما وسق"؛ وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العُبّاد والزُهّاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقَوِيَ دليله "لتَركبُن" أيها السالكون، طبقاً عن طبق؛ حالاً بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقِّي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قُرىء عليهم القرآن الدالّ على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يُكّبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار, فبشِّرهم بعذاب البُعد والحجاب، إلاَّ الذين آمنوا وصدّقوا بطريق الخصوص، وسَلَكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون؛ غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا مِنّة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.