التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ
٦
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ
٧
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً
٨
وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
٩
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
١٠
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً
١١
وَيَصْلَىٰ سَعِيراً
١٢
إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
١٣
إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
١٤
بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً
١٥
-الانشقاق

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الإِنسانُ} خطاب الجنس {إِنك كادِحٌ إِلى ربك كَدْحاً فمُلاقِيهِ} أي: جاهدٌ جادٌّ في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأنَّ الزمان يطير طيراً وأنت في كل لحظة تقطع حظًّا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. هـ.
قلتُ: إن كان كدحه في طلب مولاه؛ حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحُور والقصور، بُشّر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعبٍ, والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تُعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألاَّ تخجَل من معاملتك مع خالقك. أهـ.
ثم فصّل ما يلقى بعد اللقاء فقال: {فأمّا مَن أوتي كتابه بيمينه} أي: كتاب عمله {فسوف يُحاسب حساباً يسيراً}؛ سهلاً هيناْ، وهو الذي يُجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث:
" مَن يحاسَب عُذِّب" فقيل له: فأين قوله تعالى: {فسوف يُحاسب حساباً يسيراً} فقال: " "ذلكم العرض، مَن نُوقش الحساب عُذِّب " والعرض: أن يُقال له: فعلتَ كذا وفعلتَ كذا، ثم يُقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. {وينقلبُ إِلى أهله} أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى مَن سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إنَّ الكتاب يُعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإنَّ الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدّم في الواقعة. وقوله تعالى: {مسروراً} أي: مبتهجاً بحاله، قائلاً: { هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ } [الحاقة:19] أو: مسروراً بلقاء ربه ودوام وصاله.
تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم مَن لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات, ومنهم مَن يُحاسب حساباً يسيراً، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم مَن يُناقش ويُعذِّب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم مَن يُناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله:
{وأمّا مَن أُوتي كتابَه وراء ظهره}، قيل: تغلّ يُمناه إلى عنقه، وتُجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، {فسوف يَدعو ثبُوراً} يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، {ويَصْلَى سعيراً} أي: يدخلها، {إِنه كان} في الدنيا {في أهله} أي: معهم {مسروراً} بالكفر، يضحك على مَن آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعاً، وفي هواه راتعاً، {إِنه ظنّ أن لن يَحُورَ}؛ لن يرجع إلى ربه، تكذيباً بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفتُ تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حُوري. أي: ارجعي. {بلى} جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، {إِنَّ ربه كان به بصيراً} أي: إنَّ ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء "بصيراً" بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتماً.
الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحاً بالمجاهدة والمكابدة فمُلاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأمّا مَن أُوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه" بكونه من أهل اليمين والسعادة "فسوف يُحاسب حساباً يسيراً" فيُؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، "وينقلب إلى أهله" إخوانه في الله "مسروراً" بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسروراً بلقاء ربه، وما نال من قُربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومَن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلاً له لا ينقلب عنه إلى غيره. هـ. وأمّا مَن أُوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبوراً، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئاً, ويصلى سعير القطيعة والبُعد إنه كان في أهله مسروراً منبسطاً في الدنيا، مواجَهاً بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له مَن يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليًّا إلاَّ وله مَن يُؤذيه، يُحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قَلَّ أن تجد وليًّا إلاَّ وتحته امرأة تؤذيه. هـ. "إنه" أي: الجاهل ظنّ أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده اللهُ ويُحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيراً بظاهره وباطنه.
ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ}.