التفاسير

< >
عرض

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ
٧
كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ
٨
ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩
لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ
١٠
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١١
-التوبة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (إلا الذين): محله النصب على الاستثناء، أو جر على البدل من المشركين، أو رفع على الانقطاع، أي: لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم، و (الإل): القرابة والحِلف، وحذف الفعل في قوله: (كيف وإن يظهروا عليكم)؛ للعلم به بما تقدم، أي: كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا عليكم... الخ.
يقول الحق جل جلاله: في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به: {كيف يكونُ للمشركين عهدٌ عند الله وعندَ رسوله}؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول وللمسلمين، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه، {إلا الذين عاهدتُّم عند المسجد الحرام} قيل: هم المستثنون قبلُ. وقال ابن اسحاق: هي قبائل بني بكر، كانوا دخلوا وقت الحديبية، في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأُمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقال ابن عباس: هم قريش، وقال مجاهد: خزاعة، وفي القولين نظر؛ لأن قريشاً وخزاعة كانوا أسلموا وقت الأذان؛ لأنهم أسلموا في الفتح، والأذان بعده بسنة.
قال تعالى في شأن من استثنى: {فما استقاموا لكم} على العهد ولم يغدروا، {فاستقيمُوا لهم} على الوفاء، أي: تربصوا بهم وانتظروا أمرهم، فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، {إِن الله يحب المتقين} الذين إذا عاهدوا وفوا، وإذا قالوا صدقوا.
ثم كرر استبعاد وفائهم فقال: {كيف} يصح منهم الوفاء بعهدكم {و} هم {إن يظهرُوا عليكم} ويظفروا بكم في وقعة {لا يرقُبوا} أي: لا يراعوا {فيكم إلاَّ}؛ قرابة أو حلفاً، وقيل: ربوبية، أي: لا يراعون فيكم عظمة الربوبية ولا يخافون عقابه، {ولا ذمَّةً} أي: عهداً، أو حقاً يعاب على إغفاله، {يُرضونكم بأفواههم}؛ بأن يعدوكم بالإيمان والطاعة، والوفاء بالعهد، في الحال، مع استبطان الكفر والغدْر، {وتأبى} أي: تمنع {قلوبهم} ما تفوه به أفواههم، {وأكثرهم فاسقون} متمردون، لا عقيدة تزجرهم، ولا مروءة تردعهم، وتخصيص الأكثر؛ لما في بعض الكفرة من التمادي على العهد، والتعفف عما يجر إلى احدوثة السوء. قاله البيضاوي.
{اشْتَروا بآيات الله} أي: استبدلوا بها {ثمناً قليلاً} أي: عرضاً يسيراً، وهو اتباع الأهواء والشهوات، {فصدُّوا عن سبيله}؛ دينه المُوصل إليه، أو بيته بصد الحجاج عنه. {إنهم ساء ما كانوا يعملون} أيْ: قبح عملهم هذا، أو ساء ما كانوا يعملون من كونهم {لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة}؛ فيكون تفسيراً لعملهم السوء، لا تكريراً. وقيل: الأول في الناقضين العهد، وهذا خاص بالذين اشتروا، وهم اليهود، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم.
وقوله تعالى؛ {في مؤمن}: فيه إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل الإيمان فقط، وقوله أولاً: {فيكم}، كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت بينهم، فزال هذا الاحتمال بقوله: {في مؤمن}. قاله ابن عطية:
{وأولئك هم المعتدون} في الشرارة والقبح. {فإن تابوا} عن الكفر، {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}؛ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {ونفصّلُ الآيات لقوم يعلمون}، حث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. قاله البيضاوي.
الإشارة: لا ينبغي للخواص أن يثقوا بمحبة العوام، ولا يغتروا بما يسمعون من عهودهم، فإن محبتهم على الحروف، مهما رأوا خلاف ما أملوا من حروفهم، وأطماعهم، نكثوا وأدبروا، فللعارف غِنّى بالله عنهم. وفي ذلك يقول سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ:

مَا الفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلْمِ، إِنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أدلاَّءُ
وَقَدْرُ كل امرئ مَا كَانَ يُحسنهُ والجَاهِلُون لأَهْلِ العلْمٍ أَعْدَاءُ

ثم ذكر حكم من نقض العهد، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}.