التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٩١
وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ
٩٢
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٩٣
-التوبة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: جواب "إذا" يحتمل أن يكون (تولوا)، وجملة (قُلتَ): حال من الكاف في (أتوك)، أي: أتوك قائلاً لا أجد... الخ، ويحتمل أن يكون الجوابُ: "قلتَ"، و(تولوا) استئناف لبيان حالهم حينئذٍ، و(من الدمع): للبيان، وهي مع المجرور، في محل نصب على التمييز، فهو أبلغ من تفيض دمعُها؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً، و(حزناً): علة، أو حال، أو مصدر لفعل دل عليه ما قبله، (ألا يجدوا): متعلق به، أي: حزناً على ألاّ يجدوا ما ينفقون، و (إنما السبيل) راجع لقوله: (ما على المحسنين من سبيل).
يقول الحق جل جلاله: {ليس على الضعفاءِ}؛ كالهرْمى، {ولا على المرضى}؛ كالزّمْنَى ومن أضناه المرض، {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} في الغزو {حَرَجٌ} أي: لا حَرج على هؤلاء في التخلف عن الغزو، {إذا نَصَحوا الله ورسوله} بالإيمان والطاعة في السر والعلانية. قيل: نزلت في بني مُقرن، وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل في عبد الله بن مُغفل.
{ما على المحسنين من سبيل} أي: ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل، وإنما وضع المحسنين موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين، غير معاتبين في ذلك، {والله غفور رحيم} بالمسيء فكيف بالمحسنين؟ {ولا على الذين إذا ما أتُوكَ لتحملَهم} معك إلى الغزو، وهم البكاؤون؛ سبعة من الأنصار: مَعقِل بن يَسَار، وصَخْر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عُمَيْر، وثَعْلَبَة بن غَنَمة، وعبد الله بن مُغفَّل، وعُلْية بن زيد. أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المَرْقُوعة والنِّعال المَخْصُوفَة، نغزو معك، فقال: لا أجد، فتولَّوا وهم يبكون. وقيل: هم بنو مُقَرِّن، وقيل: أبو موسى وأصحابه، وعليه اقتصر البخاري.
{قلت لا أجِدُ ما أحملكم عليه}؛ وليس عندي ما أحملكم عليه، {تولَّوا} عنك {وأعيُنهم تفيضُ من الدمع} أي: يفيض دمعها؛ {حزناً} على {ألا يجدوا ما يُنفقون} في غزوهم.
زاد البخاري: فلما رجع أبو موسى وأصحابه، أُتي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بِنَهَب إبل، فدعاهم وحملهم عليها، فقالوا: يا رسول الله، إِنَّكَ حَلَفتَ أَلا تِحْمِلنَا، فخفنا أن نكون أغفلناك يمينك، فقال:
"ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإنِّي والله، ما أحْلِفُ على يَمِينٍ فَأرَى خَيْراً مِنْها إلا كَفّرْتُ عن يَمِيني وأَتَيتُ الذي هُوَ خَيْر" . أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: {إنما السبيلُ} أي: الحرج والمعاتبة {على الذين يستأذنونك} في القعود، {وهم أغنياء}؛ واجدون للأهبة، {رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِف}؛ كالنساء والصبيان، وهو استئناف لبيان ما هو السبب لاستثنائهم من غير عذر، وهو رضاهم بالدناءة، والانتظام في جملة النساء والصبيان؛ إيثار للدعة والكسل، {وطَبَعَ اللَّهُ على قلوبهم} بالكفر والغفلة؛ حتى غفلوا عن وخامة العاقبة، {فهم لا يعلمون} ما يؤول إليه حالهم من الندم والأسف.
الإشارة: كل من لم ينهض إلى صحبة الخصوص؛ الذين جعلهم الله أدوية القلوب، توجه العتاب إليه يوم القيامة، إذ لا يخلو من لم يصحبهم من عَيب أو نقص أو خاطر سوء، حتى ربما يلقى الله بقلب سقيم.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: من لم يتغلغل في عملنا هذا، مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر. وقال الغزالي: دواء القلوب واجب عيناً على كل مسلم، فكل من قصر في ذلك عُوقب يوم القيامة، إلا من حبسه عذر صحيح: من مرض مزمن، أو كبر سن، أو فقر مدْلق. قال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}، فإن أحبوا أولياء الله، وصدقوهم وعظموهم، ودلّوا الناس على صحبتهم، فهؤلاء محسنون، {ما على المحسنين من سبيل والله غفور} لضعفهم، {رحيم} بهم.
وقال الورتجبي: (إذا نصحوا لله ورسوله) أي: إذا عرّفوا عباد الله طريق الله، والأسوة بسنة رسول الله. هـ. وقد قال الحواريون: يا روح الله، ما النصيحة لله؟ قال: تقديم حق الله على حق الناس. هـ. ولا حرج أيضاً على من لم يجد ما ينفق على الأشياخ من الأموال، فإن من أعطى نفسه كفته عَن إعطاء المال. قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى حضرة {قلت لا أجد ما أحملكم عليه}؛ فإن بذل الأموال مع المهج أنهض من أحدهما، {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}؛ ليتحببوا به في قلوب المشايخ. قال بعض المشايخ: أردنا أن نجعل من يسوق مع من لا يسوق على حد سواء، فلم يعتدلوا. هـ.
وقوله تعالى: {حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}، ليس حزنهم على فوات الدنيا، وإنما حزنهم على تخلفهم عن رسول الله، وعن صحبة أهل الكمال. وقال القشيري: شقَّ عليهم أن يكون على قلب الرسول ـ عليه الصلاة السلام ـ منهم، أوبسببهم، شُغْلٌ، فَتَمنَّوا أن لو أزيحت علتهم، لا ميلاً إلى الدنيا؛ ولكن لئلا يعود إلى قلب الرسول من فعلهم كراهةٌ، ولقد قيل:

مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديق لِقاؤه واخو الحوائج وجهه مَمْلولُ. هـ.

ولما رجع ـ عليه الصلاة والسلام ـ من غزوة تبوك، جاء المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة، ففضحهم الله بقوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}.