التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
١
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
٢
ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ
٣
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
٤
فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً
٥
إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً
٦
فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ
٧
وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ
٨
-الشرح

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلاّ جلاله: {ألم نشرحْ لك صدرك} أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالَم الغيب والشهادة، وجمع بين ملَكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملِكات الروحانية، وما عاقك التعلُّق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدرَه في حال صباه، حين شقّه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيماناً وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يُجِيب عنه بغير "بلى".
وزيادة "لك" وتوسُّطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأنَّ الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقاً إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقتَ وروده فضل تمكُّن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونُوسِّع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
{ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } [طه:25]، وأنه بادَاه به من غير طلب، وهو قَدْر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها, لكونه في ذلك بربه, ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. هـ.
{ووضعنا عنك وِزْرَكَ}، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، {الذي أَنْقَضَ ظهرك} أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يُراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوّز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوّز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قِبَل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازاً. هـ. قلت: والظاهر: أنَّ كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طُولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألاّ يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتمّ من أجله، وجعل منه حملاً على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشَّره بأنه مغفور له على الإطلاق؛ ليتخلّى من ذلك الاهتمام.
وزاده شرفاً بقوله: {ورفعنا لك ذِكرك} أي: نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، ومِن رَفْعِ ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمَه مع اسمِه في الشهادة والأذان والإقامة والخُطب والتشهُّد، وفي مواضع من القرآن:
{ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } [النساء:59] { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } [النساء:13] { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رَفْعُ الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. هـ. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: مَن أحبّ الظهور فهو عبد الظهور، ومَن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء، ومَن أحبّ الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. هـ. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل.
ثم بشّر رسولَه وسلاَّه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: {فإِنَّ مع العُسْرِ يُسراً} أي: إنّ مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يُعيّرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رَغِبُوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكّره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: {فإِنَّ مع العسكر يُسراً} كأنه قال: خوّلناك ما خوّلناك فلا تيأس من فضل الله، {إِنَّ مع العسر} الذي أنتم فيه {يُسراً}، وجيء بلفظ "مع" لغاية مقارنة اليسر للعسر؛ زيادةً في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
"لن يغلب عسر يسرين" لأنَّ العسر أعيد مُعرّفاً فكان واحداً، لأنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليُسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أُعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إنَّ مع العُسر يسريْن، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له.
{فإِذا فرغتَ} من التبليغ أو الغزو {فانصبْ}؛ فاجتهد في العبادة، وأَتعب نفسك شكراً لما أولاك من النِعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، {وإِلى ربك فارغبْ} في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقُرىء: "فرغِّب" أي: الناس إلى ما عنده.
الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يُقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفاً بحرف، فيقال له: ألم نُوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهتَ إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولاً لا حاملاً، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناسُ عنا، فإنَّ مع عسر المجاهدة يُسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير, فأَتْعِب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت مِن كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.