التفاسير

< >
عرض

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ
١
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٢
ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ
٣
ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ
٤
عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
٥
-العلق

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: {اقرأ باسم ربك} أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحاً باسم ربك، أو مستعيناً به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: {الذي خلقَ} صفة للرب، ولم يذكر له مفعولاً؛ لأنَّ المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض.
وقوله تعالى: {خَلَق الإِنسانَ} بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأنَّ التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يُراد: الذي خلق الإنسان، إلاَّ أنه ذكر مبهماً، ثم فسّر تفخيماً لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته. قيل: لمَّا ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبهاً على شيءٍ من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
{ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } [التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: {مِن علقٍ} ولم يقل من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أنَّ ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفاً ثم تقوّى شيئاً فشيئاً حتى انتهى كماله.
ثم كرّر الأمر بالقراءة بقوله: {اقرأْ} أي: افعل ما أُمرتَ به، تأكيداً للإيجاب وتمهيداً لقوله: {وربُّك الأكرمُ} فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العُذر بقوله: "ما أنا بقارىء" يريد أنّ القراءة من شأن مَن يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: {وربك} الذي أمرك بالقراءة مستعيناً باسمه هو {الأكرم} أي: مِن كل كريم, يُنعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم, فليس وراء التكرُّم بهذه الفوائد العظيمة تكرُّم. {الذي عَلَّم} الكتابة {بالقلم عَلَّم الإِنسانَ ما لم يعلم} فدلّ على كمال كرمه بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبّه على فضل علم الكتابة لِما فيه من المنافع العظيمة، وما دُوّنت العلوم ولا قُيّدت الحِكم ولا ضُبِطت أخبار الأولين، ولا كُتب الله المنزّلة، إلاَّ بالكتابة, ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلاّ أمر القلم والخطّ لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:

لله في خلقه مِن صنعه عجبُ كادت حقائقُ في الوجود تنقلب
كلم بعين تُرى لا الأذنُ تسمعها خطابُها حاضر وأهلها ذهبوا

الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك, الذي أظهر الأشياء ليُعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر ـ وهو الإنسان ـ من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: (اقرأ وربك الأكرم) الذي تكرَّم عليك وعلّمك ما لم تكن تعلم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم.
ولمّا لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}.