التفاسير

< >
عرض

ٱلْقَارِعَةُ
١
مَا ٱلْقَارِعَةُ
٢
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ
٣
يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ
٤
وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ
٥
فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
٦
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
٧
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
٨
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
٩
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ
١٠
نَارٌ حَامِيَةٌ
١١
-القارعة

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى: {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ} إلى آخرها.
القارعة هي الساعة تقرع قلوب الناس من هولها وعظيم ما ينزل بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة ليلةٍ لا ليل بعدها. قال ابن عباس: القارعة: ""من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقوله: {مَا ٱلْقَارِعَةُ}، "ما" استفهام فيه معنى التعظيم والتعجب من هولها، يعجب سبحانه عباده من عظم [هولها]. والمعنى: أي شيء القارعة يا محمد؟! ما أعظمها وأفظعها وأهولها.
ثم قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ}.
أي وما أشعرك يا محمد أي شيء القارعة؟! ثم بينها تعالى فقال: {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}.
فالعامل في "يوم"القارعة"، أي القارعة يومَ يكون (الناس) على هذا الحال. و "القارعة" رفع بالابتداء، "وما" ابتداء ثان.
والقارعة خبر "ما"، والجملة خبر عن "القارعة" الأولى.
وقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} "ما" ابتداء أيضاً، و "أدراك" فعل ماضي وضمير مفعول، "ما القارعة" ابتداء وخبر في موضع نصب مفعولاً ثانياً "لأدراك"، والجملة خبر "ما" الأولى.
والفَراش: (هو) ما تساقط في النار وفي السراج، ليس [بذباب] ولا بعوض.
وقال الفراء: هو غوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً، [فكذلك] يوم القيامة يجول بعضهم في بعض.
والمبثوث: المنتشر المتفرق.
(وقيل): إنما شبههم بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يأخذ جهة واحدة، بل يدخل بعضه في بعض، فشبه الناس - إذا بعثوا وفزعوا واختلف مقاصدهم من الحيرة - بالفراش، فإذا سمعوا الدّاعي استقاموا نحوه، فهم في تلك الحال مشبهون بالجراد. التي تقصد إلى ناحية في طيرانها، وهو قوله:
{ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } [القمر: 7]، فهما صفتان للخلق يوم القيامة في موطنيْن: إحداهما عند. البعث، والأخرى. عند سماع النداء.
ثم قال تعالى: {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}.
أي: كالصوف المنفوش.
وفي حرف عبد الله: "كالصوف"، وبه قرأ ابن جبير. والعهن: جمع عهنة، كصوفة وصوف. وهو عند أهل اللغة: المصبوغ من الصوف.
ثم قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}.
أي: فأما من [ثقل] وزنه وزن حسناته.
قال مجاهد /: ليس ثَمَّ ميزان، وإنما هو (مَثَل) ضُرِبَ. وأكثر الناس على أنّ ثَمَّ ميزاناً توزن به (أعمال) العباد كيف شاء الله وعلى ما شاء. [نقول] كما قال، ونوجب ما أَوْجَب، ونؤمن بما في كتاب الله، ولا نتقدم بين يدي الله، ولا نعترض، ولا نكيِّف ما لا علم (عندنا) منه، ولا نحدّه.
ثم قال: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}.
أي: في عيش قد رضيه في الجنة. وتقديره في العربية: فهو في عيشة ذات رضىً، على النسب.
ثم قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}.
أي: وزن حسناته.
{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}.
أي: مأواه ومسكنه الهاوية، وهي جهنم. قيل لها الهاوية، لأنه يهوي فيها على رأسه.
قال قتادة: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}: هي النار، وهي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قالوا: هوت أمه.
ويروى أن الهاوية اسم للباب الأسفل من النار نعوذ بالله (منها - وهي) الدرك الأسفل، وأبوابُ جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، أولها جهنم، والثاني: لظى، والثالث: الحطمة، والرابع: السعير، والخامس: الجحيم، والسادسُ: سقر، والسابع الهاوية. أعاذنا الله منها.
وروي أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون: (روحوا أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا، ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون): ذهبوا به إلى أمه الهاوية".
وإنما جعلت النار أمه، لأنها صارت مأواه كما تؤوي المرأة (ابنها، فصارت) لهم كالأم، إذ لا مأوى لهم غيرها.
وقال الخفش (سعيد): {فَأُمُّهُ}: مستَقَرُّهُ. وقيل: أمه: أصله. وهاوية: بمعنى هالك، وأم الشيء: أصله [ومعظمه].
ثم قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}.
أي: وأي شيء أشعرك يا محمد ما الهاوية؟!، ثم بيَّن فقال: {نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: هي نار حامية.