التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٦
-هود

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} إلى قوله {يَعْمَلُونَ}.
المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه. و "أَمْ" هنا هي المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ}: أي: مثل القرآن. {مُفْتَرَيَاتٍ}: أي: مختلفات، أي: مفتعلات. كما زعمتم أني اختلقت القرآن، فاختلقوا أنتم أيضاً. إذ محال أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل لسان واحد.
{وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ}: أي: ادعوا للاختلاق والعون من شئتم إلا الله سبحانه {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: في قولكم إن محمداً صلى الله عليه وسلم، افترى القرآن من عند نفسه.
ثم قال تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ}: أي: إلم يستجب لكم أيها المشركون من (تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن {مُفْتَرَيَاتٍ} ولم تطيقوا أنتم أن تأتوا بذلك، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ}: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على محمد بعلم الله، وألاَّ معبود إلا الله عز وجل.
وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك {فَٱعْلَمُوۤاْ}: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله. وأتى بـ "لكم" لأن المراد النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون.
وقيل: خوطب النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، والشريف. والنبي صلى الله عليه وسلم، أشرف مَنْ على وجه الأرض.
{فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}: أي: مذعنون بالطاعة، مُخْلصُون لله عز وجل، العبادة.
ثم قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}. المعنى: من "كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أجور أعمالهم فيها".
{وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.
وقيل: إن قوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: يعني: في الآخرة لا يظلمون.
قال مجاهد: هي في أهل الرياء.
وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئاً.
وقال ابن عباس: نسختها
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا (لَهُ) فِيهَا مَا نَشَآءُ / لِمَن نُّرِيدُ } [الإسراء:18]. وهذا مردود، لأنه خبرٌ، والأخبار لا تنسخ.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
"إن الله جل ثناؤه، إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من يدعى به: رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله عز وجل، للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب. قال فما عَمِلتَ فيما علِمْت؟ قال: كنت أقرأ آناء الليل، وآناء النهار (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جلَّ ثناؤه: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله عز وجل: أردتَ أن يُقالَ: فلان قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله عز وجل، له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصِل الرحم، وأتصدق ابتغاء وجهك. فيقول الله عز وجل له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله عز وجل، فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله، تعالى، له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت. فيقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ركبتيَّ، فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة" .
ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا}: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.