التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٣٤
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ
٣٥
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
-هود

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} إلى قوله {يَفْعَلُونَ}.
والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم. {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: يهلككم.
وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلاناً غاوياً: أي: مريضاً.
وهذه الآية من أبْيَنِ آية في أن الأمر كله لله عز وجل، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مُعْقِب لحكمه يفعل ما يشاء.
وقد قالت المعتزلة: إن معنى: "أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكان معنى قوله:
{ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ } [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو الضلال، الذي هو نقيض الرشد. ولكان معنى قوله: { وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل. ولكان معنى قوله: { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ } [القصص: 63] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو بمعنى الضلال كُله. ولكان قوله: { وَلأُغْوِيَنَّهُمْ } [الحجر: 39] بمعنى: لأهلِكَنَّهُم: وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له.
وقوله تعالى:
{ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } [مريم: 59] معناه: هلاكاً.
{هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: أي: بعد الهلاك.
ثم قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}: أي: أيقولون؟ وهذه "أم" المنقطعة بمعنى الألف، أي: اختلقَه. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح عليه السلام، قل لهم: يا محمد! {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي}: أي: إثم جرمي، لا تؤخذون به، {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ} من إثم جرمكم، ولا آخذ به. يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم.
وأجاز أبو إسحاق "أجرامي" بفتح الهمزة جمع جرم.
ثم قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} والمعنى: إنه لما حَقَّ عليهم العذاب، أعلم أنه لن يؤمن أحد ممن بقي، {فَلاَ تَبْتَئِسْ}: أي: لا تحزَنْ على فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال:
{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26].