التفاسير

< >
عرض

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
-الرعد

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} إلى قوله: {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه.
قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله عز وجل ووعوه والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى.
ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الآية أي: هم "الذين يوفون بوصية الله، (عز وجل) التي أوصاهم بها. والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه.
{وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ}: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به.
ثم زادهم بياناً ومدحاً، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، عز وجل بوصلها، وهم مع ذلك {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}: أي: يخافون الله، ومخالفته، {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم وجلون لذلك، خَائِفُونَ.
و "إن" في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في "به".
وقيل: معنى: {يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}: لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، عز وجل، ونهيه (جلت عظمته).
ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله (عز وجل)، أي: طلب تعظيم الله.
{وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها.
{وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}: أي: أدوا الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سراً، وغير سر.
قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة.
ثم قال: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي: "يدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم".
وقال ابن زيد: معناه: "يدفعون الشر بالخير".
وقيل: المعنى: "إنهم إذا همّوا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واستغفروا. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة.
وقيل: المعنى: أعقبهم الله عز وجل دار الجنان من دارهم في النار، لو لم يكونوا مؤمنين.
وقيل: {بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك بالله).
وقال عطاء: {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ}: السلام.
ويروى أن قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله.