التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٦
وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ
٢٧
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٨
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ
٢٩
فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
٣٠
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣١
قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣٢
قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٣٣
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
٣٤
وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ
٣٥
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
٣٦
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ
٣٧
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ
٣٨
-الحجر

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله [تعالى]: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} إلى قوله: {ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}.
الإنسان هنا آدم [صلى الله عليه وسلم]. [و] الصلصال الطين اليابس الذي لم تأخذه نار، فإذا نقر صلصل، أي: صوت.
وقال ابن عباس خلق [الله] آدم [صلى الله عليه وسلم] من ثلاثة: من صلصال، ومن حمأ، ومن طين لازب. [فاللازب] اللاصق، والحمأ الحمأة، والصلصال التراب المدقق. وسمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي.
وقال قتادة: الصلصال التراب اليابس الذي يسمع له صلصة. وقال الضحاك: هو طين صلب يخالطه الكثيب يعني: الرمل.
وقال مجاهد: / الصلصال المنتن. أخذ من صل اللحم [وأصل] إذا انتن، وأصله على هذا [القول]: "صلال"، ثم أبدل من اللام الثانية صاد. وهذا التأويل ينقضه قوله:
{ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ } [الرحمن: 14] فشبهـ[ـه] بالفخار، والفخار ليس بمنتن. لكن قوله: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} يريد كونه متغير [اللون و] الرائحة. لأن الحمأ متغير الرائحة، دليلـ[ـه] قوله: "مسنون". والمسنون عند ابن عباس المتغير الرائحة، وكذلك قال مجاهد، وهو قول: أبي عمرو [و] الكسائي. وقال غيرهم: مسنون مصبوب. من سننت الماء: صببته. وقال الفراء: هو طين مختلط برمل فيسمع له صلصلة.
وقال أبو عبيدة: يقال للطين: صلصال، ما لم تأخذه النار. فإذا أخذته فهو فخار. وكل شيء له صوت، سوى الطين، فهو صلصال.
و "الحمأ" جمع حمأة وهو الطين المـ[ـتـ]ـغير إلى السواد. و "المسنون" المنتن في قول ابن عباس، ومجاهد، وأبي عمرو، والكسائي.
وقال أبو عبيدة: المسنون: المصبوب. يقا[ل] سننت الشيء إذا صببته. وسننت الماء على وجهه: صببته. وعن ابن عباس: المسنون الرطب. فهذا يوافق قول أبي عبيدة، لأنه لا يكون مصبوباً حتى يكون رطباً.
وقال الفراء: المسنون المحكوك من سننت الحديد. ولا يكون على هذا إلا متغيراً.
وقيل: المسنون المصبوب على مثال وهيئة، من سننت الوجه.
ثم قال [تعالى]: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}.
والمعنى: إبليس خلقناه من قبل آدم من نار السموم. والسموم عند ابن عباس الحار الذي يقتل كل شيء.
وقال الضحاك: معناه: من لهب من نار السموم. والعرب تستعمل السموم بالليل والنهار.
وقيل: [إن] السموم إنما يكون بالليل والحرور بالنهار.
[و] قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله [عز وجل] منها الجان. والسموم الشديد والحر، جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي الله خلق الله [عز وجل] منها الجان.
وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"نار السموم جزء من سبعين جزآ من جهنم" .
قال الضحاك: {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} من لهب النار.
ويروى أن الله جلّ ذكره: خلق نارين، ناراً فيها السموم وناراً ليس فيها السموم. فمزج واحدة في الأخرى، فأكلت النار التي فيها السموم، النار الأخر[ى] فخلق إبليس منها. قال الحسن: نار السموم، نار دونها حجاب، والذي تسمعونه من الصواعق من انغطاط الحجاب.
والسموم في الأصل: الريح الحارة.
وقال وهب بن منبه: الجن أجناس: منهم من يأكل ويشرب وينكح، وأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلـ[ـون] ولا يشربون.
ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ}.
أي: واذكر يا محمد، إذ قال ربك هذا. قال ابن عباس لما خلق الله [عز وجل] الملائكة قال: إني خالق بشراً من طين فإذا خلقته وصار حياً فاسجدوا، وهذا السجود سجود تكرمة وتحية لا سجود عبادة.
وقوله: {مِن رُّوحِي}.
قال الضحاك: من قدرتي، وتحقيق الأمر أنه إضافـ[ـة] خلق إلى خالق، فالروح خلق الله [سبحانه]، إضافة إلى نفسه، لأنه اخترعه وخلقه. كما يقال: خلق [الله] وأرض الله، وسماء / الله، وهو كثير. هذا قول أهل المعرفة بالمعاني فافهمه.
"فلما خلقه الله [عز وجل] أبوا أن يسجدوا، فأرسل عليهم نار[اً] فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، وقال لهم مثل ذلك، فقالوا: سمعنا وأطعنا، إلا إبليس كان من الكافرين، أي: من الأولين الذين امتنعوا من السجود.
وقيل: كان من الكافرين في اللوح المحفوظ. فعلى هذا القول: يكون قوله: "إلا إبليس" استثناء من الجنس.
وقال أبو إسحاق: إنه استثناء ليس من الأول. فجعل إبليس: ليس من الملائكة.
فلما امتنع من السجود قال له الله: ما منعك أن تكون من الساجدين؟ قال إبليس تكبراً وتجبراً وحسداً لآدم: {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، أي: أنا خير منه، لأنك خلقته من طين وخلقتني من نار. والنار تأكل الطين فلا أسجد له. قال الله له: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، أي: أخرج من السماوات. فإنك مرجوم أي: مشتوم.
{وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ} أي: الغضب {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. قال إبليس: رب إذا أخرجتني من السماوات ولعنتني {فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: أخرني ولا تمتني، إلى يوم يبعث ولد هذا الذي فضلت علي، قال الله [عز وجل] {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} أي: من المؤخرين فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم أي: [يوم] هلاك جميع الخلق.
قال سفيان: "الوقت المعلوم" النفخة الأولـ[ـى].