التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٤٤
وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٥
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
-البقرة

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

/ قوله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}.
إلى قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء.
روي أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة.
قال قتادة: "كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها".
وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى:
{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } [النجم: 3]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد.
وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! / فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود".
وقال ابن زيد:
"قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} فقال النبي [عليه السلام] هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله / ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الآية" .
فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان صلى الله عليه وسلم يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس / مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به.
وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} إلى {صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة.
"وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً / سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} الآية" .
وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به صلى الله عليه وسلم وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب.
وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى.
وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس.
وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله:
{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } [البقرة: 115]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}.
وقال ابن عباس: "أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة".
قال الله عز وجل لنبيه: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} /.
ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم / إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة / ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين". وذكر البراء في ذلك كله نحوه.
وقال أنس: "مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: "ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة". فمالوا كما هم ركوعاً".
قال الواقدي: "صرفت / يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين".
وقال ابن شعبان: "صرفت إلى الكعبة في رجب".
وقال:
{ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا } [البقرة: 142].
يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على حالها". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى".
قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. / وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة".
"وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ. فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد صلى الله عليه وسلم لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، فقال: أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا / [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ عز وجل. وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ" . وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك مات يوم خيبر.
/ وقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها.
ثم قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}.
أي: نحوه وقصده وتلقاءه.
قال عبد الله بن عمر: "صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية.
وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله"، وهو قول أكثر العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: "رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال:
"هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ" .
"وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: هَذِهِ القِبْلَةُ، مرتين."
ثم قال: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}.
أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام.
فالهاء في "شَطْرِهِ" عائدة على المسجد الحرام.
فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}.
أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم.
قال قتادة والضحاك: "يعرفون أن القبلة هي الكعبة".
قال الضحاك: "كمعرفتهم أبناءهم".
والهاء في "أنه" تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: {فَوَلِّ}.
وعن الكسائي أنه قال: "الهاء تعود على الشطر".
ثم قال: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.
من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار / عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم.
ثم قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}.
أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم.
وقوله: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}.
أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى / اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل / المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام.
ثم قال: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}.
أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره.
وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: "أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو / صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} إلى قوله: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وهو قول ابن زيد.
ثم قال: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}.
أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: {كَانَ / هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك.
وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته.
وقيل: المراد به أمته.
ثم قال: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ}. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى.
{يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم.
هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج.
وعن قتادة أيضاً: {يَعْرِفُونَهُ} أي: يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم أنه نبي كما يعرفون أبناءهم. وهو قول الزجاج.
والهاء في {يَعْرِفُونَهُ} على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد صلى الله عليه وسلم ويكون التأويل: "يعرفونك يا محمد". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب.
وقال مقاتل: "الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام".
ثم قال: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
أي وإن / طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق.
وقال قتادة وغيره: "يكتمون أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل".