التفاسير

< >
عرض

ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٩
ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ
١٠
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ
١١
يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ
١٢
يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ
١٣
-الحج

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} إلى قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، {ثَانِيَ عِطْفِهِ}. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ... } [المنافقون: 5] الآية، وهو قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً}.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
ثم قال: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ}.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي: نحرقه بالنار.
ثم قال: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} وقف، إن جعلت {وَأَنَّ} في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
ثم قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: {عَلَىٰ حَرْفٍ}: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه / ويتمكن.
ومعنى: {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} [أي: انقلب] عن دينه. {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
ثم قال تعالى: {يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ}.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
ثم قال: {يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
وقوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ} أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.