التفاسير

< >
عرض

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٤٥
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ
١٤٦
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٧
-الأعراف

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ}، إلى قوله: {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
المعنى: وكتبنا لموسى في ألواحه {مِن كُلِّ شَيْءٍ}، من التذكير والتنبيه على نعم الله، (تعالى)، وعظمته وسلطانه ومن المواعظ لقومه ومن الأمر بالعمل بما فيها، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي: تبييناً لكل شيء من أمر الله (سبحانه)، في الحلال والحرام.
ومعنى: {مِن كُلِّ شَيْءٍ}، (أي): من كل شيء يحتاج إليه من أمر الدين.
قال ابن عباس: إن موسى (عليه السلام)، لما كَرَبَهُ المَوْتُ، قال: هذا من أجل آدم! أنزلنا ها هنا! قال الله: يا موسى، أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم! فلما بعث الله، جل وعز، آدم عليه السلام، سأله موسى، (عليه السلام)، فقال أبونا آدم (عليه السلام)،: يا موسى، سألت الله أن يبعثني إليك! قال موسى: لولا أنت لم تكن ها هنا! قال له آدم (عليه السلام): [أليس] قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء أفلست تعلم أن
{ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } [الحديد: 22]، قال موسى: نعم، فخصمه (آدم (عليه السلام).
قوله: {بِقُوَّةٍ}.
أي: بِجِدَّ.
وقيل: بالطاعة.
فـ: "الهاء" في "خُذْها" و "أَحْسَنها"، تعود على {ٱلأَلْوَاحِ}.
وقيل: على "التوراة".
{وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}.
أي: بأحسن ما يجدون فيها، وذلك أن يعملوا بما أمرهم ولا يعملوا بما نهاهم / عنه.
فمعنى {بِأَحْسَنِهَا}: ليس أنهم يتركون شيئاً من الحسن، إنما يعملون بالمعروف ولا يعملون بالمنكر.
وقيل المعنى: {بِأَحْسَنِهَا} لهم، وهو العمل بما أمروا به، والانتهاء عما نُهُوْا.
وقيل: ليس أفعل للتفضيل، إنما هو [بمعنى] اسم الفاعل، كما قيل: "الله أَكْبَرُ" بمعنى: كبير. فالمعنى: يأخذوا بالحسن من ناحيتها وجنسها وما يدخل تحتها (به).
وقيل إن المعنى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} يعملون بأحسن ما هو لهم مطلق مثل:
{ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } [الشورى: 41]. ثم قال: { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } [الشورى: 43]. فالانتقام جائز، (والعفو جائز)، والعفو أحسن، فكذلك أمروا أن يعملوا بأحسن ما أُبِيحَ لهم فعله.
وقيل المعنى: إن التوراة كلها حسنة لكن فيها: أقاصيص الإحسان، والإساءة والطاعة، والمعصية، والعفو، والنقمة، فأمروا أن يأخذوا بأحسن هذه الأفعال التي نُصَّتْ عليهم. ومنه قوله:
{ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [الزمر: 18]. فإن قيل: إن فيها حكاية الكفر، والشرك، "وأفعل" يوجب التفضيل، فهل في هذا حسن دون غيره، فذلك جائز كما قال: { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } [البقرة: 221].
وقوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}.
(هو) تهديد وتوعد لمن لم يأخذ بأحسنها وخالف ما فيها، والكلام، دَلَّ على ذلك.
و {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}: النّار. وهو قول مجاهد، والحسن.
وقال قتادة {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}: منازل الكافرين الذين سكنوا قبلهم من الجبابرة والعمالقة، وهي الشام.
وقيل المعنى: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ [ٱلْفَاسِقِينَ]}، فرعون وقومه، وهي مصر.
قال ابن جبير: رفعت لموسى، (عليه السلام)، (حتى) نظر إليها.
قال قتادة: {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}، منازلهم التي كانوا يسكنونها تحت يدي فرعون.
وقيل المعنى: {سَأُوْرِيكُمْ} مصير الفاسقين في الآخرة، وما أعد لهم من أليم العذاب.
وقوله: {سَأَصْرِفُ [عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ]}، [الآية].
أي: أحرمهم فهم القرآن، أي سأنزع منهم فهم الكتاب.
قاله سفيان بن عُيَيْنَة.
وقال ابن جريج: سأصرفهم عن أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وأن يعتبروا بها.
وقيل معناه: سأمنع قلوبهم من الفكرة في أمري.
وقال أبو إسحاق المعنى: سأجعل جزاءهم، في الدنيا على كفرهم، الإضلال عن هدايتي.
وقال الحسن المعنى: سأصرفهم عنها، حتى لا يؤمنوا بها.
ومعنى {يَتَكَبَّرُونَ}، أي: يحقرون الناس، ويروا أن لهم فضلاً عليهم، ويتكبرون عن الإيمان بالقرآن والنبي، (صلى الله عليه وسلم).
{وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}.
أي: وإن يروا كل حجة بينة لا يصدقوا بها، ويقولون: هي سِحْرٌ وَكَذِبٌ.
{وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}.
أي: وإن يروا طريق الهدى لا يتخذوه طريقاً لأنفسهم.
{وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}.
أي: وإن (يروا) طريق الهلاك والعطب يتخذوه لأنفسهم.
ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} آية.
أي: فعلنا بهم أن صرفناهم عن آياتنا، من أجل أنهم {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}، أي: لا يتفكرون فيها، لاهين عنها.
و (الرُّشْدُ) و (الرَّشَدُ): لغتان.
وحُكِيَ عن أبي عمرو [بن العلاء] أنه قال: (الرُّشْدُ): الصلاح، و(الرَّشَد) في الدّينِ.
ثم قال تعالى /: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ}، الآية.
المعنى: وكل مكذب بالقرآن، والأدلة على توحيد الله، (عز وجل)، وينكر نبوة محمد، (صلى الله عليه وسلم)، والبعث، {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، أي: بطلت.
(أعمالهم) وذهبت {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: إلا ثواب عملهم في الآخرة.